الصفحة 20 من 183

إن محاربة السنة لو قامت على أسس علمية لوجب ألا يدرس التاريخ في بلد ما. لماذا يقبل التاريخ ـ على أنه علم ـ وتهتم كل أمة به، مع أن طرق الإثبات فيه مساوية أو أقل من طرق الإثبات في الحديث النبوى؟ وأمر آخر نحب أن نثيره: لماذا تدرس سير العظماء وكلماتهم وتعرض للتأسى والإعجاب، ويحرم من ذلك الحق رسل الله وفى صدارتهم سيد أولئك الرسل مروءة وشرفا، وبيانا وأدبا، وجهادا وإخلاصًا؟! إن بعض البله يتصور الأنبياء أبواقا لأمين الوحى، يرددون ما يلقيه إليهم، فإذا انصرف عنهم هبطوا إلى مستوى الدهماء، وخبا نورهم. أى غفلة صغيرة في هذا التصور؟! إن الأنبياء رجال أكابر؟ أكارم مصطفون من بين الألوف المؤلفة لصفاء فطرتهم، وزكاة أفئدتهم، ونفاسة معادنهم. والوحى الذى يمر بنفوسهم يتألق في جوانبهم ويتأنق في سيرهم ويضوع شذاه في إيمانهم وصلاحهم، فإذا لم يكن هؤلاء قدوة فمن القدوة؟ الأدباء القوالون وحسب؟ الساسة الماكرون وحسب؟ القادة السفاحون وحسب؟ ما أغرب أحكام البشر!! إن الله في كتابه أحصى أسماء ثمانية عشر نبيا من الهداة الأوائل، ثم قال للهادى الخاتم: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين) . فإذا برز للإنسانية إنسان كامل التقت في سيرته شمائل النبوات كلها، وتفجرت الحكمة على لسانه كلمات جوامع، واستطاع ـ وهو الفرد المستوحش ـ أن يحشد من القوة ما يقمع كبرياء الجبابرة، ويكسر قيود الشعوب، ويوطىء الأكناف للحق المطارد.. إذا يسر الله للإنسانية هذا الإنسان العابد المجاهد الناصح المربى، جاء غر يقول: لا نأخذ منه ولا نسمع له. ثم يستطرد مخفيا غشه: حسبنا كتاب الله! وهل السنة إلا امتداد لسناه، وتفسير لمعناه، وتحقيق لأهدافه ووصاياه؟.. ص _02 ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت