الصفحة 26 من 183

ومع لزوم التقوى وإدامة العبادة يتكون من ضمير المؤمن حس ذكى ينفر من الشر والقبح، وينجذب إلى الخير والجمال، ويحب أقواما ويكره آخرين، وينصر قضايا ويهزم أخرى... وهذا الحس يخبو ويصفو مع قوة الإيمان وضعفه، وشدة السير إلى الله أو وهنه. وقد وردت بذلك آيات جعلت الإيمان حياة من موت، وضياء من ظلمة، وفرقانا من لبس، ورحمة من عناء! (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) . على أن المؤمن في صباحه ومساءه ما يستغنى عن الأدلة الموجهة حسية كانت أو معنوية، إحساسه الخاص لا يقوم بإزاء القرائن الظاهرة والشواهد القاهرة.. ولقد جاء في الأثر أن المؤمن ينظر بنور الله، وكثيرا ما تصدق هذه الفراسة. ولكن هل هذه الفراسة تصل إلى مجالس القضاء وتثبت بها قضايا ويدان بها خصوم؟ كلا، إنها حجة قاصرة، لا، بل هى حديث نفس تخطئ وتصيب، ومهما بلغت قوتها فلن تعدو روع صاحبها.. إنه ارتقاء عظيم أن تتجاوب نفس مع حقائق الكون، وقد شعرت بأقدار المؤمنين العارفين عندما رأيت رب العالمين يقرنهم بذاته وملائكته، ويكشف عن شهودهم لله الواحد، وإذعانهم لعدله المطلق: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) . هما ابنان لآدم، أحدهما لا يعرف إلا نفسه وهواه ومتقلبه فوق هذا التراب. والآخر طوى الملكوت كله في فؤاده، وعرف نور السموات والأرض وارتبط به، واستعد للقائه، وادخر الكثير عنده.. ما أبعد الشقة بين الابن العاق والابن البار، ما أبعد الشقة بين المؤمنين والكفار!!. وبعد الشقة يجئ من الفرق بين رؤية محدودة محجوبة، ورؤية تنظم الآفاق وتخترق الأسوار وتشهد الواقع كما هو لا كما يرسمه الخيال.. لقد عرفوا الصدق بأنه مطابقة الخبر للواقع، ومن ثم فالإيمان الصادق ليس وجهة نظر لصاحبه وإنما هو إدراك الحق بلا مغالاة ولا تفريط، إدراك الحق كما هو. ص _030

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت