الصفحة 27 من 183

الإسلام يحترم العلم وحقائقه: ونحن نحترم العلم وحقائقه وننزل على حكمه، ونرفض كل تدين أو تقوى بينهما وبين المنطق العقلى جفوة.. قال لى أحد الشيوخ الكبار: كنت في الهند، ووقفت عند راهب في صومعته منصرف عن الدنيا، واستمعت إليه ينفخ في الناى فسرق قلبى، وكان معى أمين الجامعة العربية فرنا إليه كما فعلت. كان سمته المستعلى على الحياة، ولحنه المنبعث من الأعماق يهزنا هزا، وما ملكنا أعيننا من أن تذرف الدمع، ولا أفئدتنا من أن تغزوها الرهبة. ولم أستغرب الواقعة المروية، ولا أثر الموسيقا في صبغ النفوس بشتى المشاعر، وذكرت بيتا من قصيدة للعقاد يصف ذلك. تهزين أعطاف البخيل فيكرم ويصغى إليك المشمخر فيرحم بيد أنى تساءلت: ما خطب هذا الراهب المتحنث في صومعته؟ من يعبد؟ أيعبد الله الأحد الذى لا إله إلا هو؟ أم يعبد إلها مثلثا له ثلاثة رءوس وثلاث زوايا وإن كان مثلثا واحدا؟ أم يعبد مظاهر الوجود في الجرثومة الزاحفة والنجمة السارية؟ ترى ما الذى يملأ قلبه بالشجن؟ أيبكى مصيبة نزلت به خاصة؟ أم يبكى مآسى البشرية التى تزحم القارات؟ إننى لا أعرف دخيلة هذا الراهب، ورأيت أن أبدى ما عندى للشيخ الكبير فقلت له: مع أنى حاد العاطفة إلا أن الدليل العقلى أرجح عندى من صوت المزمر الحنون! وأنا أرفض قبول عقيدة خرافية تنساب مع صوت شجى. إن الهيام الروحى وراء وهم خادع كالهيام الجنسى وراء عشيقة محرمة؟ لابد من احترام صوت العقل أولا وآخرا، هذا ما تعلمناه من كتابنا العظيم. ألقيت محاضرة مطولة عن"أولى الألباب"فى القرآن الكريم. إن هذه الكلمة تكررت نحو خمس عشرة مرة. وفى كل موضع كان السياق يضم مجموعة من الشمائل، أو يشير إلى خلة من الخلال التى يعلو بها قدر الإنسان فكرا وخلقا معا. أولو الألباب هم أهل الخطاب وموضع الثقة وعليهم المعول في قيادة الدنيا بالدين. وقد رأيت ناسا طيبين، شديدى الثقة بطيبتهم، يستمدون منها حكمهم على الأشخاص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت