فهرس الكتاب
والأشياء، وربما صدرت لهم أحكام بالطيبة والخبث أو الحل والحرمة أو التقديم والتأخير لا مصدر لها إلا ذوقهم ومزاجهم!! ص _031
وهذا مسلك قد يصل بذويه إلى الزيغ أو الدجل. وعندما أتدبر أزمة الإيمان في عالمنا المعاصر أو أزمة التدين خلال تاريخ الإنسانية الغابر، أشعر بأن أصل البلاء نجم عن أقوام يظنون حكمهم على الأمور هو حكم الله، ووصايا المرسلين.. وينبغى التوكيد باستمرار على أن الحكم الشرعى هو"خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين"ـ كما يعبر علماء الأصول ـ وأن استفادة هذا الحكم هى من الله ورسوله، أى من الكتاب والسنة، وأن الوسائل العلمية المحترمة هى الطريق الفذ لهذه الاستفادة. فليس لأحد أن يقول: نفث في روعى كذا! أو ألهمت كذا، أو رأيت في منامى كذا، أو روى قلبى عن ربى كذا!! فذلك كله فوضى مردودة. المحكم من القرآن أساس الاعتقاد والتشريع: والإيمان بالغيب ليس ثغرة ينفذ منها الخرافيون وعشاق الأوهام كى ينفثوا سمومهم، فدائرة هذا الإيمان محددة. وإذا كان في الدين محكم ومتشابه فإن المحكم أم الكتاب وأساس الاعتقاد والتشريع، ودعامة النشاط الإنسانى أعظم أقطاره وأهمها! وإثبات المتشابه ليس إلا تتمة للمعارف التى ينبغى للعقل أن يلم بها وإن لم يعلم كنهها. والواقع أن الاشتغال بالمتشابه مرض نفسى ووظيفة سمجة للبطالين وهواة الجدل. كذلك توسيع دائرة المغيبات ومحاولة جعل الدين طلاسم فوق العقل، أو معميات ينكرها المنطق، إن ذلك كله ضرب من الكهانة يتقنه بعض الناس القاصرين وذوى النزعات الأسطورية، وما أكثرهم في ميدان التدين. وقبل أن نسوق بعض الأمثلة نستلفت النظر إلى القاعدة العقلية"عدم العلم بشىء ليس علما بعدمه"، وأختها"ما يحكم العقل باستحالته غير ما يعجز عن دركه"!! إننى أعرف رحابة الكون الذى نعيش ـ نحن البشر ـ في نقطة صغيرة منه، أو فوق هباءة اسمها الأرض. هل أعقل أن هذا الكون الضخم تزأر فيه رياح الخراب علوا وسفلا،