الصفحة 29 من 183

فليس فيه من يعقل ويكلف إلا البشر وحدهم؟ لا أستسيغ هذا الزعم! فإذا حدثنى القرآن عن عالم آخر اسمه الملائكة، أو عالم آخر اسمه الجن، أو عوالم أخرى للأرواح الآيبة إلى ربها بعد رحلة الحياة الأرضية، فإننى ـ من ناحية المبدأ ـ أقبل. ص _032

ولما كنت على ثقة مطلقة من صدق البلاغ الذى جاءنى وعصمة المبلغ الذى نقل إلى، فإنى أومن بالملائكة والروح. وما أشبه ذلك من مغيبات. صحيح أنى لا أعرف كنه هذه الخلائق، لكن هل عدم معرفتى يحكم بالإعدام عليها؟ إن علماء المادة الآن يحارون في كنهها، ويقفون دهشين أمام أسرارها وقوانينها، وهذا العجز عن المعرفة لم يسوغ إنكار الوجود. من أجل ذلك أومن بالغيب، وأضعه في الدائرة المحكمة التى لا يعدوها. وهناك سؤال: هل الله غيب؟ يرى بعض المفسرين والفقهاء أنه من الغيب. وأشعر بغضاضة من ذلك، ورغبة في توضيح الأمر. إن العالم أجمع يقوم بالله، ويستمد منه وجوده، فهل ما ترتكز عليه المحسوسات يسمى غيبا؟ نحن ندرك أن نبض قلوبنا، وتلاحق أنفاسنا، وحركات أمعائنا ليست طوع إرادتنا، ولا هى من طاقة داخلية نشرف عليها نحن ونلحظ سيرها. وعندما ننام، وتتلاشى شخصيتنا تبقى هذه الأعمال متواصلة بأمر الحى القيوم، فكيف يكون مصدر الإيجاد والإمداد غيبا؟! ربما كان ملحظ القوم أن حقيقة الذات فوق الفكر والحس، وهذا حق. وأيا ما كان الأمر فنحن نؤمن بالله وملائكته وبأشياء في عالم الغيب والشهادة لا نعرف بدقة كنهها. ولكننا نسارع إلى توكيد أمر مهم، هو أن ما حكم العقل باستحالته ليس من قبيل الغيبيات التى يجب اعتقادها، مثل كون الواحد ثلاثة أو الثلاثة واحدا، فإن ما يحكم العقل باستحالته يدخل في نطاق المعدوم الذى لا يمكن أن يقع، فكيف يخال حقا؟! إن دائرة الغيبيات لابد أن يبرز محيطها بجلاء حتى لا تستغل عاطفة التدين في إشاعة الباطل، وترويج الخرافات. وقد لخص الأستاذ الإمام حسن البنا ما قلناه بشأن تعرف الأحكام الشرعية، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت