الصفحة 33 من 183

ذلك يجعل سوق المؤمنات كاسدة ترك، ونصح غيره بالترك، وهذا ما فعله عمر. قال ابن جرير بعد ما حكى الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لمعنى آخر. ثم قال: تزوج حذيفة يهودية فكتب إليه عمر خل سبيلها! فكتب إليه حذيفة أتزعم أنها حرام فأخلى سبيلها؟ فقال عمر: لا أزعم أنها حرام، ولكنى أخاف على المؤمنات أن تزهدوا فيهن وتقبلوا عليهن، أو كما قال. ونظرة عمر موضع تقدير، وهى لا تلغى نصا كما رأيت ولكنها تستلفت النظر إلى مصلحة اجتماعية تجعل تناولنا للمباحات أدق وأرشد.. وللفقهاء بحوث في جواز تقييد المباح، وفى عصرنا تجنح حكومات كثيرة إلى حظر الزواج من الأجنبيات على رجال السلكين السياسى والعسكرى ، وإنما تفعل ذلك حفاظا على أسرارها وأمانها.. ويرى الشاطبى أن تقييد المباح لا شئ فيه إذا كان من دائرة"العفو"أى مما سكت الشارع عنه، أما إذا كان هناك نص بالإباحة فلا مكان لقيد ما، حتى لا نحرم ما أحل الله.. وهذا نظر دقيق. وفى قضية الزواج باليهودية التى كرهها عمر نراه أكد أصل الحل والحرمة، ولكنه كره من رجل كبير مثل حذيفة بن اليمان أن يسئ إلى المؤمنات بما قد يضيرهن.. إن المصلحة لابد من رعايتها، ومعنى النص الشرعى أن المصلحة قد ارتبطت به أبدا، فهو دليلها وضمانها، وأى تعطيل له فهو خدش للمصلحة أو تطويح لها. ونحن نلحظ في العقوبات الشرعية المنصوص عليها أنها تناولت عددا معينا من الجرائم، فالحدود المقررة تعد على الأصابع.. ويستطيع الحاكم في جرائم لا تحصى أن يضمن المصالح بما شاء من عقوبات. هناك جرائم الربا والغصب والفرار من القتال والغش والخيانة وأكل مال اليتيم وكل أنواع المال والعرض والدم التى لا تتناولها الحدود أو ضروب القصاص، وهذه سيئات كثيرة، ودائرة التعزير تسعها، والقضاء يقدر على إرصاد ما يرى من عقوبات تحفظ مصالح الأمة وتقر الأمن هنا وهناك. إمضاء أمر الله نماء وبركة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت