الصفحة 34 من 183

إن المصلحة لا يمكن أن يحفظها تعطيل نص، فإن إمضاء أمر الله نماء وبركة. وفى الحديث ص _037

أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"حد يعمل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا ثلاثين صباحا". وعندما يشكل المجتمع بالوعد والوعيد والرغبة والرهبة وفق أوامر الله سبحانه، فإن الرخاء يعم والشؤم يستخفى، والمخاوف كلهن أمان.. والفقه الصحيح أن نتعرف على المصلحة حيث لا نص، وأن نجتهد في تفهمها ثم في تحقيقها ناشدين إرضاء الله وخير الأمة.. الإسلام مثلا لم يضع رسما محددا لأسلوب الحكم، وإنما وضع له أخلاقا ترعى وقيما تصان، فكيف نولى حاكما؟ وكيف نعزله؟ أو كيف نحاسبه ونراقبه؟ ما هى أجهزة الشورى؟ وكيف نستوثق من التقاء الآراء الناضجة فيها؟ وكيف تمضى في مجراها دون إرهاب أو إغراء؟ للأمم في هذه الميادين أن تجتهد في وضع النظام الذى يحقق مصلحتها دون ما قيد. وأذكر أن أحد الناس سألنى ـ ورئيس الجمهورية يختار لبضع سنين ـ فقال: أليست هذه بدعة..؟! قلت: ما البدعة؟ قال: توقيت مدة الرياسة.. فإن الأصل اختيار الحاكم مدى الحياة! قلت له: التوقيت والإطلاق سواء من الناحية الفقهية، وتتواضع الأمم على ما تراه أكفل لحقوقها، فإذا آثرت أن يكون اختيار الحاكم لأمد معلوم فلها ذلك.. قال: كان اختيار الخليفة الأول مدى الحياة.. قلت: آثر الصحابة أحد الوجوه، ولا تحريم للوجه الآخر.. قال: ألا يكون سنة؟ قلت، لا.. لا سنة إلا بنص، ولا نص هنا. إن فعل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد يكون دليل إباحة، وقد يكون دليل أفضلية، ولا وجوب أو ندب إلا بدليل، أو بنص. وفى مجال المصالح المرسلة يستطيع الساسة المسلمون أن يصنعوا الكثير لأمتهم، على ألا يصطدموا بنص قائم، فإن هذه النصوص معاقد المصلحة العامة وإن عميت عن ذلك أنظار. وتتصل النصوص بنوعين من السلوك يغاير أحدهما الآخر، وذلك التغاير يرجع بدءا إلى الطبيعة البشرية. فهناك أعمال محتومة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت