الصفحة 4 من 183

ولست في موطن رثاء للإمام، ولا تأريخ لحياته. إننى هنا أعرض المبادئ التى كان يجمع الناس عليها، والأسلوب الناجح الذى أحدث به يقظة إسلامية عظيمة. فإن الظروف التى بدأ فيها جهاده لا تزال قائمة لم يتغير منها إلا الشكل! الاستعمار السياسى هو هو وإن اتخذ ضغطه أسلوبا غير مباشر، ومادام الختل واللف يغنيان فلا معنى للمصارحة وما تستتبعه من إثارة! والاستعمار الثقافى دائب على سرقة القلوب والقيم، واجتياح العقائد والشرائع وحيله كثرت وتشعبت حتى بات يخاف على الأجيال المقبلة! واضمحلال العقل الإسلامى واضح في أغلب ميادين الفقه! وعدد كبير من المشتغلين بفقه العبادات أو المعاملات يحسن النقل التقليدى أكثر مما يحسن الوعى والاجتهاد، ويغلب عليه ضيق الأفق ولزوم مالا يلزم أما الفشل في شئون الدنيا فأمره مخجل حتى إن ما نأكله من طعام أو ما نأخذه من دواء أو ما نرتديه من لباس يصنعه لنا غيرنا وأما صناعات السلاح وما يحمى الشرف ويصون الإيمان فشىء لا ناقة لنا فيه ولا جمل، كما يقول العرب الأقدمون. لقد بدأ حسن البنا عمله من الصفر، وشرع دون ضجيج يحى الإسلام المستكن في القلوب، ويوجهه للعمل ويكفى الإمام الشهيد شرفا أنه صانع الشباب الذين نسفوا معسكرات الإنجليز على ضفاف القناة ومازالوا بهم حتى أغروهم بالرحيل! ويكفيه شرفا أنه صانع الشباب الذين ما اشتبكوا مع اليهود في حرب إلا ألحقوا بهم الهزيمة وأجبروهم على الهرب... إن ذلك هو ما جعل الاستعمار مصرا على معاداة هذه المدرسة، وإلحاق الأذى بها حيثما ظهرت.. لقد بدأت العمل مع حسن البنا وأنا طالب في الأزهر، من خمس وأربعين سنة تقريبا، والحالة العامة يومئذ جديرة بالتسجيل: الحكم منفصل عن العلم، وهو انفصال مبكر في تاريخنا للأسف، كما أشرت إلى ذلك في بعض كتبى. ص _009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت