فهرس الكتاب
وقد ألف أحمد بن حنبل رسالة في الرد على من يستغنون بظاهر القرآن عن السنن المفسرة له، وهذا يتأدى بنا إلى الحديث عن سبب مهم من أسباب الخلاف الفقهى. 2- أحاديث الآحاد ودورها في التشريع: كتب الإمام ابن تيمية رسالة جليلة في أسباب الخلاف بين أعلام الأئمة كان فيها قمة من قمم العلم والنصفة. صور وجهات النظر المتباينة بأمانة وإحاطة دون أن يكون لرأيه الخاص أثر في تشويه رأى معارض. نعم، أجمل أسباب الخلاف، وحدد نتائجه، في حياد نزيه، ولمن شاء أن يقرأ رسالته"رفع الملام عن الأئمة الأعلام"ليستفيد منها فوائد جليلة... وقد ذكر عشرة أسباب للخلاف الفقهى ودور أحاديث الآحاد في تعدد المذاهب، ونحن نقتطف منها ما يشرح القضية، متصرفين في العبارة على نحو يقرب المعنى إلى القراء المعاصرين. أ- ربما لا يبلغ الحديث الفقيه المجتهد، فإن الأحاديث كثيرة والإحاطة بها متعذرة. وقد كان أبو بكر لا يعلم السنة في ميراث الجدة حتى أخبره من يرويها. وكان عمر لا يعلم سنة الاستئذان حتى اطلع عليها من أبى موسى الأشعرى وغيره، وكان لا يدرى حكم المجوس في الجزية حتى ذكر له عبد الرحمن بن عوف حديث"سنوا بهم سنة أهل الكتاب". ومن لم يبلغه حديث ما ربما اعتمد على ظاهر آية أو على حديث آخر، أو على قاعدة عامة، أو لجأ إلى القياس... إلى غير ذلك. وعندى أن الأحناف لم يجيزوا الجمع بين الصلاتين في السفر ـ وأحيانا في الحضر ـ لأن السنن في ذلك لم تبلغهم، وأسانيدها قائمة. ب ـ قد يبلغ الحديث الفقيه، ولكنه يرفض سنده لعلل قادحة فيه، وربما بلغ غيره بسند أجود فيأخذ به. والخلاف بين العلماء في تقويم الرجال، وبالتالى قبول المتون أمر شائع. جـ من الفقهاء من يشترط في قبول خبر الواحد شروطا لا يوافقه غيره عليها، مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على كتاب الله وسنة رسوله، أو اشتراطه أن يكون المحدث فقيها، فإن جودة الحفظ لا تغنى عن حدة الذهن، أو اشتراطه في كل أمر شأنه