فهرس الكتاب
أقول: ونحن نستغرب من بعض المفسرين ولوعهم بذكر النسخ حتى ليكاد يكون ذلك مرضا عند السيوطى غفر الله له، فقد حكم بنسخ عدة مئات من الآيات متعلقا بآراء ومرويات تافهة. من ذلك ما حكاه من نسخ قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) قال ابن تيمية في تسخيف هذا القول: وجمهور السلف والخلف على أنها ليست مخصوصة ولا منسوخة، بل يقولون: إنا لا نكره أحدا على الإسلام، وإنما نقاتل من يحاربنا. وقد ذكرنا الأسئلة التى ذكرناها في تعرف دلالات الكلام، ووجوه الأحكام، ليدرك القراء من أين يجىء الفقهاء بآرائهم، ولماذا يختلفون مع أنهم جميعا يستقون من الكتاب والسنة. ح ـ وقد تتساوى الدلالات المختلفة في إفادة معان كثيرة، ويصعب ترجيح وجهة على أخرى. قال ابن تيمية:"مثل معارضة العام بخاص، أو المطلق بمقيد، أو الأمر المطلق بما ينفى الوجوب أو الحقيقة بما يدل على المجاز، إلى أنواع المعارضات الأخرى وهو باب واسع فإن تعارض الدلالات وترجيح بعضها على بعض بحر ضخم". نقول: وينضم إلى هذا أن تختلف المرويات اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فقد وردت كلمات الأذان ببضع عشرة صيغة، وترجح لدى كل فقيه سند، أو سبق إلى علمه، وظاهر أن رسول الله أقرها كلها. ومثل ذلك كثير. قال الشيخ عبد الجليل عيسى: ثبت في الصحيح أن ابن عباس صلى على جنازة فقرأ بأم القرآن جهرا، وذكر أنه فعل ذلك ليعلم الناس أنها سنة. وذلك أن الناس في صلاة الجنازة على قولين، منهم من لا يرى فيها قراءة بحال كما قال كثير من السلف وهو مذهب أبى حنيفة ومالك، ومنهم من يرى القراءة فيها سنة كقول الشافعى وأحمد لحديث ابن عباس هذا وغيره. ثم من هؤلاء من يقول: القراءة فيها واجبة كالصلاة، ومنهم من يقول: بل هى سنة مستحبة ليست واجبة. وهذا أعدل الأقوال الثلاثة، فإن السلف فعلوا هذا وهذا وكان كلا الفعلين مشهورا بينهم، كانوا يصلون على الجنازة بقراءة وبغير قراءة، كما كانوا يصلون تارة بالجهر بالبسملة