الصفحة 55 من 183

أن القياس أدل على الدين منه، أو أن ظاهر القرآن أولى بالقبول منه.. ما نناقش الآن هذه الفروض والآراء، وإنما نثبت وحسب الوزن العلمى المجرد لخبر الواحد كما يبدو لنا. ص _058

وأهل الحديث يرفضون هذا الكلام، ويجعلون حديث الآحاد حجة لا تقاوم. وقد يرى بعضهم أن السنة تنسخ القرآن ، وهو رأى شاذ مرفوض. ويقوم تفكيرهم على حجة قريبة سهلة: إذا ثبت أن الرسول قال فلا اجتهاد لأحد ولا افتيات على المعصوم. بل قالوا: إن الحديث الضعيف فيه رائحة وحى، أما القياس فهو فكر بشر، وما يقدم فكر على وحى..! وقالوا: إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ، كان يرسل الأمراء ـ وهم آحاد ـ ويبعث برسله إلى الملوك ـ وهم آحاد ـ فينقلون عنه العقائد والشرائع جميعا، فكيف تقع الريبة في خبر الواحد الثقة بعد هذا؟! وفى هذا الكلام جانب من الصواب لا يمارى فيه مسلم. فإذا ثبت أن النبى قال، فلا رأى إلا السمع والطاعة! ولكن أنى لنا الثبوت؟ إن الريبة في قيمة السند، هل يهب لنا يقينا أم لا؟ وذلك موضوع النزاع. وترجيح الحديث الضعيف على القياس مردود، فإن هذا القياس يقوم على تعدية حكم شرعى ثابت في قضية ما إلى مشابهة أخرى كتحريم الإجارة وقت النداء يوم الجمعة قياسا على تحريم البيع وقت النداء، فأين هوى البشر هنا؟ وإذا كان البعض يشم من الحديث الضعيف رائحة الوحى، فإن آخرين يشمون منه روائح الوضع فلا لوم عليهم. أما أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرسل الأمراء والمعلمين وهم آحاد، ويكونون حجة على غيرهم فهذا حق والحكومات لا تزال تبعث السفراء آحادا، ونحن لا نزال نعين الأساتذة يدرسون للطلاب آحادا. وخبر الواحد هنا له احترامه، لأن الملابسات التى تحيط به توفر ضمانات شتى، فإن سفير الدولة إن أخطأ في البلاغ لحقه ألف مصحح، وكذلك المدرس بين تلامذته. وقد قلنا: إن خبر الواحد مقبول في فروع الشريعة ومقبول في نقل ما تواتر أصله. وعلى أية حال فإن العقائد في ديننا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت