فهرس الكتاب
لم تتلقها الأمة بأسانيد مفردة أو مزدوجة، بل تلقتها بالتواتر المؤسس للثقة المطلقة. وما توجد في مصادرنا الثقافية عقيدة عبرت إلى الأخلاف عن طريق آحاد، ومن زعم ذلك فهو مختلق. *** ص _059
مدرسة الرأى، ومدرسة الأثر ، ومدارس أخرى: في أول عهدنا بدراسة التشريع استمعنا إلى هذه العبارة، مدرسة الرأى ومدرسة الأثر! قلت في نفسى: ما هذه القسمة؟ هل هناك فقهاء يطرحون النص ويتبعون رأيهم؟ وهل هناك فقهاء يلتزمون النص، دون إعمال فكر؟ الواقع أن هذا العنوان يحتاج إلى تفسير، وسأضرب مثلا يتضح منه المعنى المراد. في زكاة الزروع والثمار جاءت هذه الأحاديث، و هى صحيحة: روى البيهقى عن أبى موسى الأشعرى ومعاذ بن جبل حين بعثهما النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم فقال:"لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر". وأخرج الطبرانى عن عمر قال:"إنما سن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الزكاة في هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر". ونقل عن الشعبى أنه قال: كتب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى أهل اليمن: إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. على هذه الآثار اعتمد الأئمة في فتواهم بتحديد الأصناف التى تحق فيها الزكاة، ورأوا أنه لا زكاة في غيرها من الزروع والثمار.. ورأى أبو حنيفة وغيره أن هذه الأصناف كانت تمثل المحصولات الرئيسة في جزيرة العرب، وأن ما عداها من ثمر لم يكن مالا له خطر.. فإذا كانت الأرض تنبت من الحبوب والفواكه ثروات زراعية لها قيمة كبيرة فإن الزكاة تجب فيها بيقين، مثلما تجب في الشعير والزبيب. واستصحب أبو حنيفة فقه الآية الكريمة: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) إلى قوله تعالى.. (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) ومن ثم أوجب الزكاة في التفاح والموز وسائر الفواكه، والفول والعدس والأرز وسائر الحبوب، والبرتقال واليوسفى