الصفحة 64 من 183

كذلك يقول بعض العلماء ـ أو جلهم ـ وإن كان تعرف حقيقة الحكم عند الله متعذرا، ومن ثم لا نجزم بصواب مجتهد أو خطئه. ومن العلماء من يرى هذه الأمور العبادية اعتبارية، وأن مراد الله فيها هو السمع والطاعة، وأن كل ما يصل إليه وفق فكره وجهده هو المطلوب منه، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، وتبعا لذلك يرى أن كل مجتهد مصيب. وسواء كان كل مجتهد مصيبا، كما يرى البعض أو مأجورا كما أجمعت الأمة، فإن تجريم مجتهد أو التحامل عليه منكر كبير. احترام المخالف ديدن العلماء: والفقهاء المجتهدون وإن اختلفت آراؤهم يحترم بعضهم بعضا ويحترم حريته في مخالفته، وقد رأينا مالك بن أنس يرفض حمل الناس على مذهبه في كتابه الموطأ ويقول: إن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تفرقوا في الأمصار وقد يكون لديهم ما فاته. وقد أنكر عبد الله بن مسعود إتمام الصلوات الرباعية أيام التشريق، لما بلغه أن عثمان فعل ذلك، وقد رئى ابن مسعود بعدها يصلى وراء عثمان متما فلما كلم في صنيعه هذا قال أكره الخلاف..! وقد كان أحمد بن حنبل يرى أن الحجامة تنقض الوضوء، فسئل عمن رأى الإمام احتجم وقام إلى الصلاة ولم يتوضأ، هل يصلى الإمام خلفه؟ فقال رضى الله عنه: كيف لا أصلى خلف مالك وسعيد بن المسيب؟! وكان أبو حنيفة وأصحابه يرون انتقاض الوضوء من خروج الدم، ولكن أبا يوسف رأى هارون الرشيد احتجم وصلى ولم يتوضأ ـ لأن مالكا أفتى الخليفة بأن لا وضوء عليه إذا هو احتجم ـ فصلى أبو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة. ورووا أن الشافعى ترك القنوت في صلاة الصبح لما صلى مع جماعة الأحناف في أحد مساجد بغداد وذلك رعاية لأدب الإسلام، ورغبة عن الخلاف.. وربما قيل: إن القنوت أمر ثانوى، أما قراءة الفاتحة في الصلاة وراء الإمام، فالشافعى يراها ركنا ولا يرى ذلك أغلب الأئمة، وما نظن الشافعى إلا قرأها سرا في هذه الجماعة. ونقول: إن القيمة الذاتية لاجتهاد الشافعى في وجوب القراءة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت