فهرس الكتاب
والتأمل في صورة هذه المعاملة، صورة استبدال قدح قمح بآخر دون زيادة ودون تأخير، أمر يدعو إلى الغرابة، إن المرء قد يبادل قمحا رديئا بآخر جيد! فيختلف الكم حتما ! لا، هذا مرفوض، فهو ربا. إن أردت الجيد فاشتره بثمن خاص، وبع ما لديك بثمن ما، ولا مبادلة إلا مثلا بمثل ويكون التقايض حالا.. وظاهر أن هذا الاحتياط الشديد جاء سدا لذريعة الربا، وإغلاقا لأبوابه من بعد.. ولكن وردت أحاديث أخرى تجعل الربا في النسيئة، لا في الزيادة المعجلة، وقد أخذ بهذا المعنى عبد الله بن عباس وغيره، فهل يعدون مبيحين للربا؟ لا...! وقد ذكر ابن تيمية جملة من الاجتهادات التى أخذ بها أصحابها معتمدين على أسباب الخلاف التى أشرنا إليها ـ صدر هذا البحث ـ ورتب على ذلك أن لا تثريب عليهم ويغفر الله لنا ولهم. ومع رفضى الشخصى لبعض هذه الآراء فإنى لا أستبيح أصحابها ولا أنال منهم. قال ابن تيمية: إنه قد صح عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:"لعن الله آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه". وصح عنه من غير وجه أنه قال ـ لمن باع صاعين بصاع يدا بيد ـ"أوه عين الربا"كما قال البر بالبر ربا إلا هاء وهاء . وهذا يوجب دخول نوعى الربا ـ ربا الفضل وربا النسيئة ـ ثم إن الذين بلغهم قول النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ"إنما الربا في النسيئة"فاستحلوا بيع الصاعين بالصاع يدا بيد ـ مثل ابن عباس رضى الله عنهما ـ وأصحابه، أبى الشعثاء وعطاء وطاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة وغيرهم ـ من أعيان المكيين الذين هم صفوة الأمة علما وعملا ـ لا يحل لمسلم أن يعتقد أن أحدا منهم بعينه، أو من قلده ـ بحيث يجوز تقليده ـ تبلغهم لعنة آكل الربا، ـ نعم لا يلعنون ـ لأنهم فعلوا ذلك متأولين تأويلا سائغا في الجملة. وكذلك ما نقل عن طائفة من فضلاء المدنيين من إتيان المحاش مع ما رواه أبو داود عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال:"من أتى امرأة في دبرها فهو كافر بما أنزل"