فهرس الكتاب
ببعض الأفكار والفتاوى، وذلك مبلغهم من العلم، يعمون عن العظائم ولا يرون إلا ما يضخمون من وجهات نظر، قد يكون خطؤها أجلى من صوابها. ص _079
ذلك وقد ظهر نوع آخر من التعصب! جماعة يتسمون أهل الحديث، يفهم أحدهم في الخبر المروى فهما معينا، فإذا خالفته في فهمه اتهمك بأنك تخالف السنة، أو تخاصم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهذا بلاء جديد شديد نشير إليه في الفصل اللاحق إن شاء الله. ص _080
حوار جاد حول التقليد والاجتهاد أحب للمتحدثين في الإسلام ـ وأنا منهم ـ أن يرزقوا سعة العلم وعمق الفقه. إن فقر العلم كفقر الدم لا يعين على نشاط ولا يجود معه إنتاج، وغزارة العلم مع ضحالة الفقه تضليل للسعى وضياع للثمرة. وكثيرا ما أستشعر الضيق في مواجهة صنفين من الناس، صنف حار العاطفة قليل الدراية، وصنف ظاهر الجحود لأنه لا يدرى شيئا، أو يدرى الأمور على نحو بعيد عن الحقيقة. وعصرنا هذا عصر حضارة ذكية الفكر عارمة الهوى.. وليس يجدى في تقويمها إلا أصحاب بصائر نيرة وقلوب عامرة، لهم من رحابة الاطلاع والأفق ما يسدد حكمهم ويقنع خصمهم. وقد آلت إلينا في هذا العصر مواريث عقلية ونقلية ضخمة، تمثل جهد آبائنا في خدمة الإسلام وعلومه، كما أن غيرنا لديه أشياء كثيرة يستريح إليها ولا يتنازل عنها بسهولة. ترى هل أحسنا الإفادة مما ورثنا؟ ثم هل عرضناه ـ بعد ـ العرض الذى يهيئ له القبول؟ رأيى لا. وبيننا وبين الخدمة الناجحة للإسلام أمد بعيد. وسأسوق بعض المجادلات التى دارت بينى وبين قوم يشتغلون بالقضايا الفقهية، لعل في سوقها ما يكشف الغاية التى أريد. حدث في مدينة الإسكندرية أن قتل رجل ولديه، ويظهر أنه فعل ذلك إسقاطا لنفقتهما، بعدما طلق أمهما! وحكم القضاء الوضعى بإعدام الرجل، وأحال أوراقه إلى المفتى للتصديق، ورفض المفتى التصديق على الحكم لأن الشريعة تأبى ذلك، ولكن القضاء الوضعى مضى في طريقه وقتل الأب القاتل. ص _081