الصفحة 77 من 183

وثار لغط كثير حول القانون والشريعة في هذه القضية. وقال لى أحد الناس لماذا تصمت في هذا الموضوع؟ قلت: إن هواى مع الإمام مالك في القصاص من هذا الأب المجرم! قال: إن المفتى ذكر في اعتراضه الحديث الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله قال:"لا يقتل الوالد بالولد"قلت: هذه هى القاعدة، والآباء يشقون ليسعد أبناؤهم، بل قد يموتون في سبيلهم، فإذا حدث أن غلبت على الوالد نزوة غضب أو ساعة طيش فقتل ابنه عوقب بغير القتل، لأن ما وقع منه لا يتصور ـ غالبا ـ أن يكون تعمد إهلاك، أو قصدا واعيا لإزهاق روح أعز الناس عليه. فإذا تبين من التحقيق أن الأب شاذ، وأنه تعمد ذبح ابنه عن إصرار وروية، وجب القصاص. وقاتل ابنيه في قضية الإسكندرية الآنفة استدرجهما ثم حملهما إلى أعماق البحر المتوسط بعيدا عن الشاطىء، ورمى بهما بين الأمواج، وعاد ليفر من أداء النفقة الواجبة لمطلقته ولهما معها!! إن الإمام مالكا يحكم بالقصاص منه، ويحمل الحديث على صور القتل العارضة، التى لا تحمل طابع التعمد والعدوان الدنئ!! قال لى صاحبى: إن غبارا لحق بسمعة الشريعة في هذه القضية. أما كان ينبغى على المفتى أن يرى رأى مالك في هذا الحدث؟ قلت: إنه حنفى المذهب، وله وجهة نظره، ولكن أبا حنيفة في بعض قضايا القتل رجح ظاهر القرآن على نصوص السنة، وقضى بقتل المسلم بالكافر إعمالا لقوله تعالى: (أَنَّ النَفْسَ بِالنَّفْسِ) ، وحمل الحديث الذى يفيد عدم قتل المسلم بالكافر بأنه يعنى كافرا لا عهد له ولا ذمة ولا أمان! أما من عاش في ذمة المسلمين فلا يهدر دمه ويجب الاقتصاص له. وقد كان المفتى قادرا على تقليد مالك، أو التمشى مع منطق الأحناف إلى نهاية الطريق وهو منطق يرجح القصاص من الأصل في عدوانه على الفرع؟ لأن وجهة نظرهم تقديم ظاهر القرآن على حديث الآحاد. والطريف أن الأحناف والمالكية اتفقوا في قضية مسترق النظر، ورأوا أن ما جاء بها من سنن هو للترهيب والتغليظ وحسب. ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت