فهرس الكتاب
ومعلوم أن تجريد النفوس عن ميلها الفطري ليس مقدورًا عليه في الجملة، ولا مناسبًا؛ ولذلك جاءت الشريعة بالأمر بالموازنة بين ما هو حق بذاته، والأمر بدفع ما ليس بحق، فإنه يعرض للنفس في باب العلم، وفي باب الإرادة ما هو نوع شبهة أو تأويل، والله تعالى خلق النفوس وسوّاها، وألهمها فجورها وتقواها.
وإذا كان من المقرر في الشريعة النهي عن اتخاذ العلم بغيًا بين أهله ولو كان قول الباغي معتبرًا موافقًا في الأصل، إلا أن البغي زيادة طارئة مذمومة.
فكذلك من باب أولى أن الشرع يمنع اتخاذ أحوال النفوس المختلفة بين بني آدم سببًا للبغي والعدوان.
وكما أن من الناس من يبغي بما معه من العلم المصدق، فإن منهم من يبغي بما معه من أحوال النفس وطبائعها، وقد تكون بعض هذه الأحوال محمودة في الجملة كالقوة أو الشجاعة أو الصبر أو الكرم، لكن لا يلزم أن تكون محمودة في كل الموارد، ولا يجوز أن يبغي بها صاحبها على من ليس من أهلها.