الصفحة 25 من 29

فالدعوة المحمدية لم تغفل العرف والعادة في حياة الناس، لأن في نزع الناس عما ألفوه وتعارفوا عليه من الأمور المعتادة المستحسنة لدى الطباع السليمة حرجًا شديدًا، إذ قد استقامت عليها أمورهم وصلحت بها أحوالهم، فيصعب عليهم الإقلاع عما اعتادوه وألفوه. [1]

يقول الإمام الشاطبي في بيان ذلك:"العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا. سواء كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية، أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أم لا" [2] .

لذا كان من المهم للداعية أن يراعي أعراف الناس وعادتهم، لأنها من مظاهر رفع الحرج في دعوة الإسلام، وفيه من التيسير على المدعوين وبالتالي إظهار محاسن هذه الدعوة ومرونتها.

المطلب الرابع:

حاجة الداعية إلى العلم بالعرف لفهم الواقع

إن فهم واقع المدعوين أمر مهم حين الدعوة إلى الله، وأعظم الناس فهمًا لواقع أممهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين أرسلهم الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، لذا ما بعث الله من نبي إلا رعى الغنم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم. فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) [3] ، ولعل الحكمة من ذلك أن يحصل لهم تجربة وتمرين ودافع برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر دعوة أممهم من خلال فهم واقعهم. [4]

(1) 1 - ... انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية (ص 321) مرحع سابق.

(2) 2 - ... الموافقات في أصول الشريعة (2/ 214) مرجع سابق.

(3) 3 - ... صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (4/ 441) حديث رقم 2262

(4) 4 - ... انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 14/6) دار الريان للتراث، ط. الأولى 1407هـ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري (4/ 441) مرجع سابق. و الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى/ للدكتور سعيد القحطاني (ص 103، 104) مطبعة سفير- الرياض، ط. الأولى 1412هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت