الصفحة 26 من 29

وفهم الواقع يحتاج إلى أمور، ولعل من أهمها معرفة أعراف المدعوين، وعاداتهم، وأحوالهم التي تحدد لهم تصرفاتهم وسنن معايشهم وطرائق سلوكهم. [1]

وأعراف المدعوين تتغير بتغير الزمان والمكان وهذه حقيقة لا مراء فيها، آية ذلك مخالفة صاحبي الإمام أبي حنيفة له في بعض المسائل وقولهما:"لو كان أبو حنيفة حيًا لقال بقولنا". [2] وجعلاه من باب اختلاف العصر والأوان، لا الحجة والبرهان.

وكذلك شأن الإمام الشافعي، فقد أثر فيه الواقع العراقي فيما قاله من الآراء، وهو ما يسمى بالقول القديم. ولما انتقل إلى مصر عدل عن بعض آرائه متأثرا بالواقع المصري وهي ما تسمى بالقول الجديد [3] . ويؤكد الإمام ابن القيم هذه الحقيقة بقوله:"إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين الله". [4]

إذًا فالداعية يحتاج إلى العرف لفهم الواقع الذي يعينه على التركيز على ما ينفع المدعوين، ويفيدهم، ويصلح أحوالهم، وهذا بالتالي يؤهله إلى أن يحدث بما يعرفونه وبما تعارفوا عليه، ولا يحدثهم حديثًا لا تبلغه عقولهم، فيكون ضرره أكثر من نفعه .. كما قال علي رضي الله عنه:"حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله". [5]

(1) 1 - ... انظر: الدعوة إلى الله توجيهات وضوابط، د. عبد الله الخاطر (ص 5) سلسلة تصدر عن المنتدى الإسلامي- لندن.

(2) 2 - ... بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع/ للإمام علاء الدين الكاساني (4/ 210) ط. الثانية 1982م.

(3) 3 - ... انظر: مجموعة رسائل ابن عابدين (2/ 125 - 128) مرجع سابق. والعرف وأثره في الشريعة والقانون / د. أحمد المباركي (ص 187) .

(4) 4 - ... إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 205) مرجع سابق.

(5) 5 - ... صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم (1/ 225) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت