الصفحة 27 من 29

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". [1]

وللإمام ابن القيم أيضًا تأييده في هذا الجانب إذ يقول:"ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم، وعوائدهم، وأزمنتهم، وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل. وكانت جنايته على الدين عظيمة. [2] "

المطلب الخامس:

حاجة الداعية إلى العلم بالعرف لمعرفة المدعوين ومراعاة أحوالهم

مما لا شك فيه أن للأعراف والعادات سلطانًا كبيرًا في نفوس المدعوين، فهي قضايا مسلمة يصعب انتزاعها منهم لهذا قالوا:"العادة طبيعة ثانية"يعنون بذلك أن لها من القوة ما يقرب من الطبيعة الأولى، وهي ما ولد عليها الإنسان وفطر منذ خروجه من بطن أمه، إذ إن من المعلوم أن كل إنسان خرج إلى هذا العالم مجهزًا بكثير من الأدوات: عين تبصر، وأذن تسمع، ومعدة تهضم .. إلخ، فهذا الذي ولد عليه هو طبيعته الأولى، فلو حاول أن يبصر بأذنه ويسمع بعينه ما استطاع، فكذلك ما اعتاده وأصبح معروفًا عنده هو خاضع لسلطانه، ولا يمكن نزعه منه [3] ، ومن ظلم الداعية حينئذ الإنكار على الأعراف والعادات ذات السلطان القوي على النفس التي لا تتعارض مع نصوص الكتاب والسنة، والتي تستند إلى قبول عام عند المدعوين وتحقق منافع لهم ومصالح، وهذا الكلام مبني

(1) 1 - ... صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (1/ 11) حديث رقم 5.

(2) 2 - ... انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 14) مرجع سابق.

(3) 3 - ... انظر: أثر العرف في التشريع الإسلامي / د. السيد صالح (ص69) مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت