فهرس الكتاب
على فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أراد علاج الأعراف الجاهلية السائدة، فقد اتخذ - صلى الله عليه وسلم - وسيلة التدرج في نزعها، مراعاة لسلطانها في نفوس المدعوين، تقول عائشة رضي الله عنها في بيان ذلك: (إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا ... ) الحديث. [1]
ولهذا نجد الإمام ابن القيم يشدد النكير على من يحكم وهو غير مراع ما عليه المدعوين من أعراف وعادات، حيث يقول: معرفة الناس أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإن لم يكن كذلك، وله معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم، وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحته الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا. [2]
فالداعية الحكيم هو الذي يدرس ويعرف أحوال المدعوين وأعرافهم وعاداتهم ولغاتهم ولهجاتهم ويعرف مراكز الضلال ومواطن الإغراق ويحيط بمشكلاتهم ونزعاتهم الخلقية والشبه التي تعلق بأذهانهم. [3]
لذلك فإن مراعاة الداعية لأعراف المدعوين يجعل لدعوته جمالًا واستحسانًا ولنصيحته قبولًا من غير نكير. [4]
(1) 1 - ... صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن (3، 6، 122) حديث رقم 4993، دار الفكر 1414هـ.
(2) 2 - ... انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 204 - 205) مرجع سابق.
(3) 3 - ... الحكمة في الدعوة إلى الله (ص 566) مرجع سابق.
(4) 4 - ... انظر: تفسير أبي السعود/ للقاضي أبي السعود محمد بن محمد العمادي (3/ 308) دار إحياء التراث العربي- بيروت. وتفسير القاسمي، المسمى بمحاسن التأويل/ للعلامة محمد جمال الدين القاسمي (7/ 325) مراجعة: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، ط. الثانية 1398هـ.