الصفحة 24 من 43

(الوداع) خاتمية حياته - صلى الله عليه وسلم -، فإن في حديث غربة الإسلام وأروزه إشارة إلى البداية والنهاية أو بعبارتنا الأولية والخاتمية عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما كان، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في حجرها ) )، [1] وهذا يعني أن مكة (والمدينة) بلدا الإسلام أولًا وآخرًا، ابتداءً وخاتمة.

3 -بلد التوحيد:

تظهر هذه السمة التي أوردها ثالثًا كما لو كانت أولى السمات، ذلك أن الله سبحانه وتعالى حين اصطفى هذه البقعة من الأرض لتكون موضع بيته، وحرمه الآمن، وليبني فيها إبراهيم عليه السلام الكعبة البيت الحرام يلزمنا أن نفهم من هذا الاصطفاء مسألة البعد عن الشرك وعبادة الأوثان والخلوص منه، ذلك الشرك الذي ظهر في عبادة الأوثان في قصة إبراهيم مع أبيه وقومه: {ِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} (الأنبياء:52) ، لذلك نأى إبراهيم عليه السلام بنفسه عن الشرك وأهله فأنجاه الله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 71) ، وإذا كان أنجاه الله ولوطًا عليهما السلام إلى الشام، [2] فإنه بعد حين هاجر بهاجر وولده إسماعيل إلى مكة بغرض إقامة شعائر الله، إذ كان إبراهيم عليه السلام يعلم موضع البيت الحرام، قال تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ

(1) صحيح مسلم، باب الإيمان، بيان أن الإسلام بدأ غريبًا ... ، حديث رقم (209) ، وانظر: فضائل مكة، الواردة في السنة 1/ 376.

(2) الجامع لأحكام القرآن 11/ 323، وقيل: مكة، وقيل: مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت