فهرس الكتاب
ومكة أكثر حرمة من حيث هي مكان، وإن كنت أزعم أن الزمان المحرم إنما حرم لأجل المكان [1] حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون وافد بيته لديه مساحة من الزمان تسمح له بالمجيئ إليه والعود منه، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} (التوبة: 36) ، وهذه الأربعة الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم ورجب [2] منها شهران من أشهر الحج هما ذو القعدة وذو الحجة أو العشر الأولى منه، قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة: 197) .
وهنا لطيفة تظهر فيما قد ألمحنا إليه في حديثنا عن الأولية من القول بقدمها حيث ترجع إلى يوم خلق السموات والأرض والزمان المحرم في الآية يظهر يوم خلق السموات والأرض كما هو نص الآية، وعلى هذا فإنه يمكن إطلاق حكم في تاريخ العمران، وفي عمران التاريخ فحواه أن مكة أقدم البلاد وأنها المكان والزمان يرجعان في قدم الوجود إلى يوم خلق الله السموات والأرض، وقد سبقت بنا إشارة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة الوداع: (( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ) ).
(1) قد يقال: لو كان الزمان إنما حرم للمكان لقبل ذلك في (ذي القعدة وذي الحجة ومحرم) ولكن ما علاقة رجب، قلت: التأكيد على التحريم (الزماني) في خطبة (حجة الوداع) ، وتداخل أشهر الحج والأشهر الحرم يشي بشيء من العلاقة بين الزمان والمكان المحرمين.
(2) الجامع لأحكام القرآن 8/ 126.