فهرس الكتاب
فالله يعلم أن الجهاد فيه شيء من المشقة ومع هذا كتبه علينا وأثاب عليه، وأثاب أيضًا على سير المجاهد وما يقع فيه من مشاقّ كثيرة، وهذا يقولون دليل، يعني المعترض يقول: هذا دليل على أنها مقصودة للشارع، لو لم تكن مقصودة للشارع؛ لما أثاب عليها ثوابًا زائدًا، هذا قد يكون هو أعظم الاعتراضات أو أقوى الاعتراضات، لكن المصنف أجاب عنه بعدة أجوبة، من الأجوبة عنه: (أن الثواب عليها لكونها ملازمة) يعني أهم ما يُجاب به عن هذا أن الثواب عليها إنما هو لكونها ملازمة لفعل المقصود للشارع، لا لكونها مقصودة لذاتها، فهو أثاب عليها لكونها ملازمة لفعل المقصود، وليس لكونها مقصودة بذاتها، والدليل على هذا: أنها لو انفردت؛ فلا ثواب عليها، لو انفردت وأمكن انفرادها عن العمل ما أثيب عليها، كما في قصة أبي إسرائيل الذي قال: (مروه فليستظل، وليجلس، وليتم صومه) فلما أمكن انفصال المشقة عن العمل نهاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن هذه المشقة وأمره بإتمام العمل، ثم أيضًا قد يقال: إن الثواب تَفَضُّل من الله -جل وعلا-، فالله قد يثيب الإنسان على ما لم يعمله أصلًا كالمصائب التي تصيبه مثلًا، فيقع له ثواب بسببها. هذا بعض ما يمكن أن يقال في الاعتراضات والجواب عنه. ثم نقرأ كلام الشاطبي.
(وأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار في أكله، وشربه، وسائر تصرفاته، ولكن جعل له قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره، لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف، فعلى هذا ينبغي أن يفهم التكليف وما تضمن من المشقة، وإذا تقرر هذا؛ فما تضمن التكليف الثابت على العباد من المشقة المعتادة أيضًا ليس بمقصود الطلب للشارع من جهة نفس المشقة) .
هذا هو موضوع درس اليوم: أن الفعل الشاق نفسه، أو المشقة نفسها ليست مقصودة للشارع، وإنما المقصود له العمل الملازم لها.