ومما يدل على أن ذلك من سنن المرسلين سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- ما جاء في الصحيحين من حديث أنس: أن رجالًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- دخلوا على أزواجه فسألوهن عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فكأنهم تقالوها، فقالوا وأين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأما أنا فلا أكل اللحم؛ فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- الخبر فقال: (ما بال أقوام يرغبون عن سنتي ولكني أصوم وأفطر، وأنام وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
فدل على ذلك أن قصد النسل مطلوب شرعًا وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما عند أنس بسند فيه لين: (تزوجوا الودود الولود فإني مُكاثرٌ بكم الأمم) ؛ وله شاهد من حديث معقل بن يسار وهو حسن -إن شاء الله-؛ وقد رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على عثمان بن مظعون التبتل -الانقطاع للعبادة-؛ يقول سعد بن أبي وقاص: « ولو أذن له -بالتبتل- لاختصينا» ؛ لأن هذا جبلة جبل عليها المرء ذكرًا كان أو أنثى، يقول سعدٌ ولو أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعثمان بالتبتل لاختصينا؛ فدل ذلك على أن النكاح من سنن المرسلين.
يقول المؤلف: (وهو أفضل من التخلي لنفل العبادة) ؛ النكاح في الأصل -يقول المؤلف- أفضل من التخلي العبادة، فدل ذلك على أن النكاح سنة، هذا هو الراجح أن النكاح سنة، ودليل ذلك قول الله تعالى: ? فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ? [النساء: 3] ؛ الآية، ولم يكن واجبًا؛ لأن الله لم يكن ليوجب على العباد شيئًا ويجعله تحت إرادتهم، فقال تعالى: ? فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم ?، ولو كان واجبًا لما قيل"ما طاب لكم"فجعله تحت إرادة الإنسان.