أشرف ما اشتغل به المشتغلون، وعمل به العاملون هو العلم بالله تعالى، فالعلم بالله تعالى أصل العلوم الذي به يدرك الإنسان سعادة الدنيا وفوز الآخرة، والعلم بالله تعالى هو معرفة ما له من الكمالات، ما له من الحقوق، ما له من جليل الصفات وعظيم الأسماء سبحانه وبحمده، يَكْمُل هذا العلم بمعرفة الطريق الموصل إليه؛ لأنك إذا علمت حق الله تعالى وما له من الكمالات فإنه لا يكمل ذلك إلا بمعرفة ما يوصل إليه، فالعلم علم بالله وعلم بالطريق الموصل إليه، والعلم بالطريق الموصل إليه هو علم بما شرعه من الأحكام، وعلم بما جاءت به الأنبياء مما يصلُح به دين الناس، وتصلح به دنياهم، وإن الشريعة المباركة التي جاء بها خير الأنام محمد -صلى الله عليه وسلم- قد وفَّت غاية التوفية وكملت غاية الكمال في إصلاح معاش الناس ومعادهم، فليس هناك شيء مما يحتاجه الناس تصلح به دنياهم، وتستقيم به أخراهم، إلا وقد جاء به النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فأصلح صلة العبد بربه، وذلك بما بينه من العبادات والحقوق لله -جل وعلا- بيانًا جليًّا واضحًا وقد أغلق الباب على كل اقتراح أو زيادة في قول الله -جل وعلا- ?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينً? [المائدة: 3] ، وفيما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدّ) وهذا التكميل لم يقتصر على جانب الصلة بالله تعالى، بل حتى فيما يتعلق بصلة الإنسان بالخلق، فإن الشريعة جاءت لتكميل هذه الصلات، وجعلت الصلة بين الإنسان وبني جنسه على اختلاف طبقاتهم وعلى اختلاف حقوقهم، وعلى اختلاف قربهم وبعدهم بل حتى على اختلاف أديانهم جاءت في هذا الجانب بنظام بديع لا ينخرم، جاءت فيه بما يبهر العقول، ما يحقق العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ففي بيوع الناس