فهرس الكتاب
الأمر الثاني: توجد هناك تراكيب عربية صحيحة لا يظهر فيها العامل ويضطر النحاة إلى تقديره والتكلف والتعسف في إخراجه؟
أحسنت أما قولك الأول: كيف يقال: إن العامل هو المؤثر ونحن نعرف أن الذي يغير آخر الكلمة هو المتكلم هذا اعتراض عقلي قوي لكنه لفظي أكثر منه حقيقي لأنه في واقع الأمر أن الذي يغير العامل نعم هو المتكلم, لكن ليس من حق العامل أن يغير في كلمة حقها أن تكون على نحو معين فمثلًا إذا جاءتك الكلمة فاعل أنت الذي رفعت نعم لكن ليس من حقك أن تجرها ولا أن تنصبها لأنها جاءت بهذه الحال وقد رفعها العامل السابق أو رفعت العرب في هذا الموقع وإذا جاءت منصوبة مفعولا به فإنه ليس من حقك أن تجعلها مجرورة ولا مرفووعة، لأنها جاءت في سياق لا تأتي به العرب إلا منصوبة وهكذا في المجرورة أيضًا وبناء عليه فالذي غير أواخر الكلمات الحق هو ليس العامل وليس المتكلم أيضًا وإنما هو العرب عندما نطقت بكلامها جعلت هذا مرفوعًا وهذا منصوبًا, العرب الفصحاء في عصر الفصاحة هي التي غيرت لا المتكلم ولا العامل, هي التي رفعت وهي التي نصبت وهي التي جرت ومن ثم فالمتكلم يقيس على كلامهم فيرفع إذا رفعوا وينصب إذا نصبوا ويجر إذا جروا لكن من باب أولًا: التقريب للمتعلم. وثانيًا: لاضطراد جر الكلمة إذا دخل عليها حرف الجر واضطراد رفع الكلمة إذا دخل عليها الفعل وكانت هذه الكلمة هي التي أحدثت هذا الفعل ما دامت هذا الأمر دائمًا يكون معه فعقلًا يصح إسناد الأمر إليه, فإنك إذا رأيت كل كلمة يدخل عليها حرف الجر تراها مجرورة فإنك قطعًا تربط بين هذا الجر وبين هذا الحرف, فتقول: الذي أحدث الجر هو هذا بدليل أنك إذا أزلت حرف الجر زال الجر فهذا دليل على أنه مؤكد ومن ثم فإن تقريب الأمر وتجسيم الأمر وجعله بمثابة المحسوسات لتقريبه من المتعلم وأيضا اضطراد واستمرار وجود الأثر مع وجود المؤثر وذهابه مع عدمه دليل على أن هذا العامل في حقيقته بالفعل هو