الصفحة 1211 من 2066

وكان العلماء الأولون يضعون لتلاميذهم في العلم الواحد ثلاث مستويات. تجد العالم منهم مثلًا يضع كتابا موجزا فيسميه المختصر أو الوجيز، ثم يؤلف كتابا أوسع منه يشرح هذا فيسميه الوسيط، ثم يشرح شرحا موسعا للمختصين وطالبي الاستزادة فيسميه مثلًا البسيط أي المبسوط الموسع، وهذا بحسب طالب العلم. فطالب العلم يبدأ بالمقدمات والمتون السهلة المختصرة، ثم يتوسع ويكبر إلى أن يصبح نابغا نابها لهذا العلم ويبرع فيه، ويصبح من علمائه بعد ذلك إذا تدرب هذا التدرب.

وهذا كان مسلك ابن هشام، ألف أولا أربعة كتب كبرى، طبعا هو كتبه أكثر من ذلك، لكن كتبه النحوية المشهورة التي هي على هذا التدريب الذي ذكرته أربعة، أكثرها اختصارا قطر الندى، فألفه متنا وشرحه هو أيضا لتلاميذه. ثم ألف شرحا هو أكثر من ذلك توسعا سماه شذور الذهب، ثم شرحه أيضا، فله متن وله شرح فيه، ثم ألف أوضح المسالك وهو شرح لألفية ابن مالك المشهورة، ثم ألف بعد ذلك مغني اللبيب دون التزام بالزمن الذي ألف فيه هذه الأمور، لا يعني البعدية هنا الزمن، ولكن أعني تمايز العلم، بعضها أكبر من بعض وأوسع من بعض شرحا وبسطا.

نعم مغني اللبيب يتميز عن الكتب الأخرى بالكثير من الخواص؛ فهو يعنى ببعض القضايا التي تهم المعرب؛ مثل حروف المعاني، ويعنى كذلك بقضايا كبرى قد لا تكون كتب النحو مجالها، لكنه يعتبر كتابا متوسعا للمختصين في النحو، والذين برعوا فيه والذين بلغوا فيه مبلغا معينا، فهو محتاج إلى مثل هذا الكتاب، لكن الهدف من ذكر هذه الأمور بيان ما كان عليه العلماء من أنهم يؤلفون الكتب في العلم الواحد على مستويات متفاوتة ليأخذ الطالب بهذه العلوم واحدا بعد الآخر بادئا بالأقل المختصر إلى الأكثر الوسيط، إلى الأكبر البسيط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت