فهرس الكتاب
تنبيه لأمر ما، بعض الإخوة يحب علل النحو وما يتعلق بالقضايا المنطقية، فالمنطق إذا استفيد منه لترتيب العلوم ومعرفة أسرارها وعللها فإنه مفيد جدًا للعقل، ويرتب القضايا ويقربها إلى الذهن، ويجعل عند الإنسان ملكة استنباط العلل، وإذا استنبط الإنسان العلل استطاع التوصل إلى صحة العلوم المختلفة، إنما يكره العلماءُ المنطقَ عندما يدخل في أمور الغيب، أو يدخل العقل فيما لم يوضع له، وهذا محل ذم المنطق؛ عندما تدخل العقول الضعيفة فيما لم تخلق من الغيبيات يقع الضلال، أما إذا استفيد من المنطق في ترتيب العلوم وتقسيمها وتعريفها وتعليلها فإن في هذا خيرا كثيرا، وقد دخل المنطق كثيرا من العلوم فأفاد في ترتيبها كالنحو وكأصول الفقه وغيرها من العلوم.
من الأمور التي أذكرها سريعا وقد تكون من اللطائف هنا، أنني ذكرتُ منذ قليل أن الفعل الماضي يبنى على السكون لو اتصل بضمير رفع المتحرك لعلة ذكرها النحويون؛ وهي كراهة توالي أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، بعض المعللين أوردوا سؤالا فقال: لماذا صار ضمير الرفع المتحرك متحركا؟ أي لماذا لم يسكن؟
بعضهم أجاب بقوله: لأن العربي استعمل التاء الساكنة علامة على التأنيث، والتاء المتحركة للدلالة على الفاعل فلكل استعمال، وبعض المولعين بالتعليل قالوا: لا بل حُرِّك لأن ما قبله ساكن؛ أي آخر الفعل الماضي المتصل بضمير رفع متحرك ساكن، فلو سكن لالتقى الساكنان وهو ممنوع إلا في بعض المواضع التي منها عند الوقف مثلًا كقولك: رجلانْ، لكن الأصل فيه عند الدرج أنه لا يتوالى ساكنان، فحتى لا يتوالى ساكنان حرك ضمير الرفع المتحرك، فهنا يقع ما يسمى بالدَّوْرِ عند المناطقة، الدور هو أن يكون الشيء علة لما هو علة؛ أي إذا كان هذا علة لهذا، وهذا علة لهذا فهو الدور، قال أحد الأدباء:
بيني وبين صاحبي دَوْر، لولا جفاه لم أشب، ولولا مشيبي ما جف