فهرس الكتاب
فعندما استعملت مكسورة الهمزة"إن"جئت بها في أول الكلام، وعندما استعملت المفتوحة الهمزة"أن"ذكرت كلاما قبلها، وهذا الفرق بين استعمال الحرفين:"أن"مكسورة الهمزة تأتي في أول الكلام بينما مفتوحة الهمزة لا بد أن يسبقها كلام، وإلا فهما يشتركان في المعنى والعمل، المعنى: هو التوكيد والعمل: هو نسخ -كما رأينا نسخ- حكم المبتدأ الذي هو الرفع.
الحرف الثالث بعد"إن وأن"،"لكن". لكن هذا الحرف هو حرف يقول العلماء: إنه حرف استدراك؛ ومعنى الاستدراك: هو أن تتذكر أيها المتكلم شيئا فتريد أن تقف عنده أو تنبه إليه، كيف ذلك؟ إذا كنت تكلمت بكلام ثم تخشى أن يكون السامع قد فهم شيئا فتستدرك لتوضح مسألة، والقصد من خشية أن يكون المتكلم قد فهم شيئا أنه ربما يكون كلامك السابق يوحي بهذا الشأن.
مثلا، أنت عندما تقول: زيد عالم، يفهم الآن السامع أن هذا الرجل فيه خصال الخير، فربما يتوقع أيضا أنه عنده من الصفات الأخرى ما لم تذكره أيضا، وأنت تعرف أن عنده صفات ليست بالطيبة، فتريد أن تنبه إليها وتستدرك فتقول: لكنه فاسق، فهذا معنى الاستدراك، الاستدراك هو: أن تعقب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته، أو أن تعقب الكلام بإثبات ما يتوهم نفيه، الأولى وضحت من المثال الأول.
الثانية: أن تعقب الكلام بإثبات ما يتوهم نفيه، أنت عندما تقول: فلان -مثلا- بخيل فيتوهم أنه أيضا فيه الصفات السيئة الأخرى فيقال هو جبان مثلا وأنت تعرف أنه ليس كذلك فتعقب وتقول: لكنه شجاع، إذن تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو إثبات ما يتوهم نفيه من خلال الكلام السابق هو الاستدراك، هذا معنى قولنا: لكن، فالمثال الذي ذكرته الآن في قولي: زيد عالم لكنه فاسق، أو أن أقول: ما زيد شجاع، لكنه كريم، فعندما قلت: ما زيد شجاع، ظن الظان أنه مع جبنه هو بخيل، فعقبته واستدركت في الكلام وقلت: لكنه كريم.