فهرس الكتاب
الحرف الخامس: هو"ليت"وهو الحرف قبل الأخير من الحروف الناسخة، و"ليت"حرف من الحروف الناسخة، فينصب الاسم ويرفع الخبر، لكنهم قالوا معناه هو التمني؛ والتمني يأتي عند العرب على نوعين: إما أن يطلب أو يرجى أو يرغب في الشيء الذي لا يمكن حصوله، أو الشيء الذي يمكنه حصوله ولكنه فيه عسر، عندما يقول أبو العتاهية:
ألا ليت الشباب يعود يوما *** فأخبره بما فعل المشيب
يقول هذا الكلام شيخ قد شاب فنقول: إنه يتمنى شيء لا يمكن حصوله، يطلب شيئا لا يمكن حصول، ولذلك نقول: إن التمني هنا هو طلب الشيء مستحيل الحصول، وهذا هو الأكثر في استعمال ليت في التمني؛ أن الأصل فيها أن يكون للشيء الذي لا يمكن حصوله، لكنه يستعمل في ما هو دون ذلك، عندما يقول: ?يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ?، يا ليت لي مالا عندما يقول الفقير المعدم: يا ليت لي مالا كثيرًا، يا ليت لي قنطارا من الذهب وهو لا يملك إلا القليل، نقول: هذا ليس بعزيز على الله، لكنه عقلا بعيد الحصول؛ لأنه لا يتحقق حصول هذا للغني، أما الفقير فإن هذا بعيد الحصول عنه، كلا الأمرين يسمى تمنيا عند العرب؛ أي طلب الشيء المتعسر أو المتعذر، لكن استعماله المتعذر غير الممكن المستحيل أكثر، ومن هنا أنا أنبه على أمر لطيف ومفيد، وهو من الأمور التي شاعت عند الناس ويحسن التنبيه إليها، أنهم يستعملون كلمة أتمنى هذه في الأمور المطلوبة المحبوبة المرجوة فيقول: أتمنى أن أصبح طبيبا، وأتمنى أن تكون بخير، وأقول: إن الأصل في التمني عند العرب؛ هو طلب الشيء إما المستحيل المتعذر، أو البعيد المتعسر. ولذلك أنت عندما تقول: أتمنى كذا كأنك تتكلم عن شيء لن يحصل أو سيحصل بعسر، كأن يقول أرجو وآمل، ولذلك لا يقال: ما أمنياتك يا فلان، ولكن يقال ما آمالك. لأن التمني في الأصل في استعمال العرب هو للشيء في معظمه للمستحيل أو للشيء الذي يمكن ولكنه بعسر ومشقة. ولذلك الرجاء والأمل هو مقام