فهرس الكتاب
علل بعضهم قال إن العمل؛ يعني عمل الرفع وعمل النصب في الأسماء وفي الأخبار، الأصل فيه أن يكون للأفعال؛ لأن الأفعال هي العوامل في الأصل، والحروف محمولة على الأفعال في ذلك، من ثم تجوز في الأفعال الناسخة أن تتقدم معمولاتها التي هي الأخبار على أسمائها وعليها، ولم يُستسغ ذلك أو يُجوَّز ذلك في الحروف لأن الحروف أضعف في العمل وهي محمولة، والمحمول أو الفرع لا يكون كالأصل في كل أموره.
ابن عنين وهو أحد الشعراء المتأخرين يشكو تأخره وعدم تحصيل الشيء من الدنيا فيقول:
كأني من أخبار إن ولم يجز له أحد في النحو أن يتقدم
يشبه نفسه بخبر"إن"أنه لم يجز له أحد في النحو أن يتقدم فخبر"إن"لا يجوز تقديمه، لا على اسمها ولا على خبرها، فهذا كأنه...
تشبيه بليغ
يقول إني عجزت أن أتقدم في هذه الدنيا ما حصَّل شيئا يبدو من هذه وأسأل الله أن يجعلنا ممن تقدم في حق الله -سبحانه وتعالى- وقدم عنده وإلا فأمر الدنيا أمرها يسير، الشاهد في هذا أنه -كما قلت- يصح أن أقول: كان زيد قائما، أقول قائما كان زيد، لا يصح أن أقول في إن زيدا قائمٌ، قائمٌ إن زيدا، ولا أن تتقدم حتى الأخبار على الأسماء عندما قلت"كان قائما زيد"في"إن"لا أقول"إن قائم زيدا"، لا يجوز تقديمها عليه، فالخبر يلزم مكانه والاسم يلزم مكانه لضعف الحروف الناسخة على العمل مقارنة بالأفعال الناسخة.
استثنوا من ذلك شيئا واحدا وهو أن يكون الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا يسمونها شبه الجملة، إذا كان خبر إن ظرفا أو جارا ومجرورا فإنهم يقولون يجوز أو يجيء في كلام العرب في الفصيح من كلام العرب أن يتقدم على الاسم، وقد جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: ? إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً ? [النور: 44] ، هذه"إن"اسمها"عبرة"، وخبرها تقدم على اسمها وهو"في ذلك"، وإنما جاز لكونه شبه جملة (جار ومجرور) ، والجار والمجرور أو شبه الجملة يُتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره.