فهرس الكتاب
طبعًا التقديم هنا لعلة بلاغية، فآيات القرآن الكريم عندما يأتي فيها تقديمٌ وتأخيرٌ فلتتلمس الحكمة؛ لأنها جاءت على الصيغة العليا من البلاغة والفصاحة، والبلاغة: هي الإتيان بالشيء في موقعه، فقطعًا لم يتقدم المفعول به في هذه الآية إلا لأن هذا هو الأنسب بالمقام، والغالب في مسألة التقديم والتأخير أن يكون هناك اهتمام بالمُقَدَّم؛ لأن الحديث كان عن"آل فرعون"فقُدِّم ليُؤَكَّد شأنهم، وأنهم هم الذين أُرسل إليهم، ولكن هم الذين كذَّبوا أيضًا، مع أن النُّذُر قد جاءتهم سواءً كانت بالرسالات أو كانت بالآيات التي أرسلها الله -سبحانه وتعالى- مع رسوله موسى -عليه السلام.
إذن هنا -كما ترون- تقدم المفعول به على الفاعل لعلَّةٍ بلاغية، لكن بالنسبة للنحوي الذي ينظر إلى ترتيب الجملة -تركيب الجملة- يقول: تَقَدَّم المفعول به على الفاعل.
أيضًا عندما ننظر إلى قول الله -سبحانه وتعالى-: ?وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ? [البقرة: 124] ، المُبْتَلِي هو الله -سبحانه وتعالى-"رَبُّهُ"الفاعل"رَبُّهُ"هنا في الجملة، والمُبْتَلَى الذي وقع عليه الابتلاء هو إبراهيم -عليه السلام-، وقد تقدم المفعول به إبراهيم المنصوب كما ترون ?وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ? على الفاعل"رَبُّهُ"، تأخر الفاعل وتقدم المفعول به، ?وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ?.
كذلك في قول الله -سبحانه وتعالى-: ?وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ?، وفي قول الشاعر -الشاعر هذا جرير- يمدح عمر بن عبد العزيز عندما وَلِيَ الخلافة -رحمه الله-، ونحن نعرف أنه خليفة أموي، اشتهر بالعدل، يُسَمُّونه خامس الخلفاء الراشدين؛ لأنه سار على نهجهم، يمدحه ويقول:
جاء الخلافةَ أو كانت له قدرًا *** كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ