فهرس الكتاب
قد يكون حذفه لغرضٍ معنوي: ومنها ما ذكرناه منذ قليل"الاختصار"، يعني عندما يتحدث الإنسان عن حديث يعلم أن السامع يعرف الراوي، أو أنه لا تتعلق همته بالراوي، يقول:"روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فهذا نوع من الاختصار، أو عندما يقول الله -سبحانه وتعالى-: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُو? [المجادلة: 11] ، ?قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُو? مَن القائل؟ محذوف، و?قِيلَ انْشُزُو? مَن القائل؟ محذوف، الحذف هنا لأنه ليس لك فائدةٌ وحاجة أن تعرف مَن القائل؛ لأن كل من قال لك: تَفَسَّحْ، فينبغي لك أن تُفْسِحَ له، وكل من قال لك: انشُزْ، وهو صاحبٌ للمكان فينبغي أن تفعل، فإذن لا تتعلق حاجة بذكر الفاعل ولذلك حذف. الشنفرة -وهو شاعر جاهلي- يقول:
وإن مُدَّتْ الأيدي إلى الزَّاد لم أكن *** بأَعْجَلِهم إذ أجشع القوم أعجلُ
هو يفتخر بنفسه ويصف نفسه بكرم النفس، يقول: إن الناس إذا تقدَّموا إلى الأكل لم أبادرهم، لم أكن الأسرع؛ لأن هذا المقام ليس مقامَ مَكْرُمة -أن يتقدم الإنسانُ الناس في الأكل- هو يتقدمهم في المكارم والخير نعم، هذا ممدحة، لكن أن يتقدمهم في رغائب نفسه كالأكل هذا ليس من الثناء، ولذلك هو يقول: إن نفسي عزيزة،"إن مُدَّت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم"، ويعلل ذلك ويقول:"إذ أجشع القوم أعجل"، قال:"إن مُدَّت الأيدي"، مَن الذي يمدها؟ بنى الفعل للمجهول وحذف الفاعل، كأنه ليس لك حاجة أن تعرف الفاعل، مَدَّها أيُّ أحدٍ، فلما لم يكن هناك حاجةٌ متعلقة بذكر الفاعل حُذف.