فهرس الكتاب
في الحديث أو في رواية من روايات الحديث:"تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، الآن عندنا ثلاثة أفعال:"تسبحون وتحمدون وتكبرون"ثلاثة أفعال، جاء بعدها ظرف زمان:"دبر كل صلاة"لأن"دبر"هنا مضافة إلى الصلاة، والصلاة -كما تعلمون- وقت، وإذا أضيف الشيء إلى الوقت اكتسب منه الظرفية الزمانية، فـ"دبر"منصوبة على الظرفية، و"ثلاثًا وثلاثين"مفعول مطلق مبين للعدد منصوب أيضًا، ما الذي نصب الظرف"دبر"؟ وما الذي نصب المفعول المطلق ثلاثًا؟ يصح أن يكون كل واحد من الأفعال السابقة هو الناصب للظرف الزماني"دبر كل صلاة"وأن يكون هو الناصب للمفعول المطلق"ثلاثًا وثلاثين"؛ أي تسبحون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكذلك تكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، فتنازعت هذه الأفعال الثلاثة على معمولين، كل واحد منها يريدهما معمولين له.
إذن صيغ التنازع لا تقتصر على أن تكون اثنان يتنازعان على واحد، فقد يتنازع اثنان على واحد، أو اثنان على اثنين، أو ثلاثة على اثنين إلى آخره من صيغ التنازع، فكل ما يمكن أن يحصل فيه اشتباه، هل هذا معمول لهذا أو لهذا؟ يُسمى هذا صيغة تنازع.
عندما تتحقق هذه الصيغة فالأمر في الحكم عليها يسير، كيف الحكم؟ أنت بالخيار، أَعْمِل أيهما شئت.
الكوفيون قالوا: الأفضل والأولى أن نُعمل الأول لسبقه؛ لأنه هو الذي جاء في الأول، وما جاء في الأول جدير أن يكرم، أو أن يعطى حقه؛ لأنه هو المتقدم، والفضل للمتقدم.
والبصريون قالوا: الأولى أن يُعمل الثاني، الأولى.. ولاحظوا أنه ما في أحد يوجب شيئًا، كلاهما جائز، البصريون قالوا: الأولى أن يُعمل الثاني، قالوا لماذا؟ قالوا: لأنه هو الأقرب للمعمول، وما كان قريبًا من الشيء هو الأولى بالعمل به.