دكتور محمد ترى أيضًا أن يحصل الإنسان على حد أدنى - كما نقول- من هذا العلم ومن تعلم هذا العلم؟
هذا صحيح, وإذا أذنت لي في ضرب مثال يسير سريع: أذكر أني كنت في مجلس من المجالس مع بعض الإخوة الذين هم زملاء وأحبة, فكان الواحد منهم يذكر صعوبة النحو ويذكر المعاناة التي يعانيها كثير من الناس في دراسته, ويتشاكى الناس ويقولون: إن الواحد منا ينشأ من أبوين عربيين, في بيئة عربية ويدرس اللغة العربية بقواعدها ونحوها وصرفها وإملائلها في سنوات متطاولة طوال دراسته الابتدائية والمتوسطة والجامعية إن تيسر له ذلك, ثم إن جمعه بعد هذا مجلس مع زملائه أو إخوانه بدؤوا يتذاكرون دراسة العربية مع أنهم من أهلها وأطالوا دراستها ويستغربون الأمر, ويقولون: إن الواحد حين يبتعث مثلًا إلى دراسة لغة أخرى كاللغة الإنجليزية مثلًا, فإنه يذهب هناك, يبقى فيها لا يتجاوز السنتين إن أطال, فيتقن هذه اللغة ليس فقط إتقان المتحدث إلى أهلها, ولكنه إتقان القادر على الكتابة والبحث فيها, هذه مرحلة تفوق مرحلة القدرة على الحديث, فيقولون ما بال هذا الأمر؟ والجواب في هذا الأمر ليس بالعسير, هو يرجع إلى الإحساس بأهمية الشيء, أنت أحسست حين ابتعثت أنك لابد أن تتقن هذه اللغة؛ لتبدأ في بحثك ورسالتك وتناله وترجع من بعثتك وغربتك, فلا طريق لك إلى الوصول إلى غايتك إلا دراسة هذه اللغة. في حين أن الواحد حين يدرس قواعد اللغة وليس مختصًا فيها كالتحاقه بدرس لدراستها أو قراءته في كتاب فيها, هو لا يحس بضرورة الدراسة, ولكنه يدرسها من باب الترف وطلب الفائدة, وحينئذ يستغلق على هذا القارئ أو هذا الدارس كثير من أبوابه أعني: أبواب النحو؛ لأنه ما أخذه بقوة وما أتاه إتيان المضطر إلى دراسته والمحس بالحاجة إلى دراسته, فإذا أحس الإنسان بالحاجة إلى الشيء حقق فيه الشيء الكثير مهما بلغت فيه الصعوبة.