القاعدة تقول: إذا أمكن أن يجيء الضمير متصلًا فلا يصح أن يكون منفصلًا، وفي الاختيار لا يجيء المتصل إذا تأتى أن يجيء المنفصل؛ والعلة في ذلك أن العرب تجنح إلى الاختصار والضمير المتصل أكثر اختصارًا من الضمير المنفصل فمتى أمكن المجيء بالمختصر فلا يصح المجيء بما هو أكثر منه ما دامت الدلالة ليس فيها شيء، العربي إذا كان في زيادة كلامه مزيد معنى لا مانع من ذلك، ولا يكون ذلك من باب الإسفاف أو الإطناب غير المحمود أو الإطالة غير المحمودة، لكن إذا إذا كانت الإطالة والاختصار يؤديان معنى واحدًا فالإطالة حينئذ مذمومة.
تحضرني حكمة ذلك الذي قال لصاحبه لما كتب له مقالة في أربع صفحات قال: «اعذرني فإنه ليس عندي من الوقت ما أكتب لك الأمر في صفحة واحدة» لأنه قال: «اكتب لي كذا في صفحة واحدة» فرد عليه بأن كتب المطلوب في أربع صفحات وقال: «اعذرني ليس عندي من الوقت ما أكتبه في صفحة واحدة» وهذا للمتعجل يقول: كيف؟ عنده وقت يكتب أربع صفحات وليس عنده وقت يكتب صفحة واحدة؟!!! هو يريد أنه ليس عندي من الوقت ما أستطيع أن أوجز هذه المعاني في ألفاظ تؤديها في صفحة واحدة، هذا يحتاج إلى جهد وإلى موهبة ومقدرة.
بعض الأحيان يكون الاختصار أصعب من الإسهاب
ولذلك قيل: «إن الكلام السهل الممتنع أو جوامع الكلم لا تتأتى لكل واحد» ، وهي القدرة على أن يأتي بالمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، هذه من الأمور التي لا يؤتاها إلا من اختاره الله - سبحانه وتعالى- بمثل هذه المواهب، وقد اختار الله - سبحانه وتعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم - بأن آتاه جوامع الكلم فهو يؤدي بالكلام القليل المعاني الكثيرة وهذا مشهود معلوم.
وتدخل فيها أحكام كثيرة