فهرس الكتاب
كذلك الأمم السالفة اضطروا لإحداث مثل هذه التعريفات للتعامل مع الأخبار تصديقًا وتكذيبًا، ولعلي أوضح مرادهم ببعض الأمثلة، فعلى سبيل المثال: لو جاءنا شخصان ، أحدهما: نعرف يقينًا أنه جاء من المنطقة الشرقية، والآخر نعرف أنه جاء من المنطقة الغربية، وهذان نحن متيقنون أن كلا منهما لا يعرف الآخر إطلاقًا، فجاء كل واحد منهما وحدثنا بخبر شاهده، أي خبر من الأخبار؟ نعرف أنهما ما التقيا إطلاقًا، وهذا الخبر ربما انضاف إليه قرائن، كأن يكون خبرًا طويلا وفيه جزئيات وتفاصيل، يستحيل تمامًا أن يتفق هذان على شيء يمكن أن يتصوره أو يختلقه كل واحد منهما، ولذلك لما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إن المتواتر في مثل هذه الصورة، أي إذا صدق الواحد الآخر وانتشر مثل هذا الخبر، يمكن أن يُقبل حتى من الكافر، يعني لا تُشترط فيه العدالة، هذا شيءٌ الناس يضطرون إلى تصديقه، إنسانٌ جاءك من مكان، وآخر جاءك من مكان، وأنت تعرف تمامًا أن كلا منهما ما لقي الآخر حتى وإن كانا كافرين، أو كانوا أكثر من اثنين كانوا كفارًا، قامت عندك قرائن تدل على صدقهم مع أنهم في الأصل قد يكذبون، لكن الكاذب قد يصدق في بعض الأحيان، كيف نستطيع أن نميز صدقه من كذبه إلا بمثل هذه القرائن.
لذلك حتى أقرب المعنى إلى الأذهان شيئًا فشيئًا، أود أن أطرح عليكم بعض الأسئلة، هل في واقعنا أشياء من هذه الحوادث مما نعيشه نحن؟ دعونا نحرك الأذهان ونعرف حتى نتوصل إلى حقيقة التعريف والمراد منه بكل وضوح وجلاء؛ لأن هذا يحتاج منا فعلا إلى تأمل، حتى لا يكون الواحد منا إمعة مقلد ونأخذ الكلام بإطلاق ولا نتمعن فيه ولا ندقق في محتوياته، لا، ينبغي أن نعمل أذهاننا في نقد التعاريف أو قبولها، فإذا كان بالإمكان أحد الإخوة يعطينا شيئًا من الواقع لمثل هذا.