فهرس الكتاب
قال موسى -عليه السلام- لأهله: ? إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ ? يعني بنبأ، ? أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ? هذه العبارة يا إخواني تفيد أن القصة وقعت في الليل، وأن الجو كان باردا، وهنا موسى -عليه السلام- ذكر الله -عز وجل- عنه أنه قال: ? سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ ? وفي سورة القصص -وستأتي معنا إن شاء الله تبارك وتعالى: ? لَّعَلِّي آتِيكُم ? [القصص: 29] ، لعلي تفيد الرجاء، وهنا قطع ? سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ ?، فكيف نجمع بين الآيتين؟
نقول: إن موسى -عليه السلام- قام في قلبه أولا الرجاء؛ يعني رجا أن يأتي بخبر من وراء هذه النار، ثم قَوِيَ رجاؤه حتى وصل إلى مرحلة اليقين، ولا شك أن النفس تَقْوَى مع الأحداث ومع الوقت؛ يعني الإنسان عندما يكون ضائعا مثلا أو تائها، ثم يشاهد نارا ويتأمل فيها ويتمعن فيجدها نارا فعلًا حقيقية ويأنس، فهذا الأُنس الذي وقع فيه يدفعه شيئا فشيئا إلى الاستقرار والوقوع أو حصول اليقين عنده بعد ذلك.
? أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ ?، الشهاب هو الشعلة التي تضيء وقوله: ? لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ? من الاصطلاء، وهو من التدفئة، ولا شك أن الجو كان باردا بِناء على ذلك؛ لأن النار يُستدْفأ بها، بل هناك مثل عن العرب بأن النار فاكهة الشتاء يستدفأ بها الإنسان.
موسى -عليه السلام- قال لأهله ذلك، ورأى هذه النار وطلب خبرا منها أو أن يستدفأ بشيء من ورائها، فلا شك أنه ترك أهله متوجها إلى النار، القرآن الكريم يطوي هذه الأحداث ويحذف ما يمكن أن يكون معلوما لدى المخاطب، وهذا من الأسلوب العربي وبلاغة القرآن الكريم، ويقول ابن مالك -رحمه الله:"وحذف ما يُعلَم جائز"، كما تقول:"زيد"في جواب:"من أتى". لماذا؟