الصفحة 3 من 19

في القرنين السابع عشر والثامن عشر للميلاد كانت الأبحاث التي كُتبت عن القرآن تتَّسم بأنها أولًا صادرة عن جهل، وبقصد الطعن الحاد ثانيًا، وثالثًا بأنها صادرة عن خوف عميق؛ ذلك الخوف الذي أثارته الكنائس المسيحية؛ فكثيرًا ما كان القرآن يُوصف بأنه"القرآن التركي"بوصفه الكتاب المقدس للعثمانيين الذين حاصروا فيينا عام 1683 م. واعتبارًا من القرن الثامن عشر، أي في عصر التنوير، سادت بالتدريج، وبسبب النزاع الدائم بين المثقفين والكنائس، مواقف متسامحة تجاه القرآن؛ فلقد حاول يوهان فولفجانج جوته

(-17491832) في مؤلفه الشهير"الديوان الغربي- الشرقي"، عقد مصالحة بين الأدب والشعر في أوروبا ونظيريهما في الشرق على أساس التكافؤ، منطلقًا في ذلك من مبدأ تكافؤ الثقافات. لقد كان يرى أنه لا معنى للتساؤل حول"أي الثقافات أفضل". وقادت روح التنوير هذه إلى أن الإجابة عن السؤال المتمثل في أي الأديان هو الدين الصحيح، كانت إجابة شخصية، ولم يكن من الممكن عدُّها إجابة عمومية. وطبقا لهذا الرأي عُدَّت الديانات كلها متكافئة إلى حد ما. صحيح أن جوته نفسه كان مسيحياًّ أصلًا، غير أن مُعتقداته كانت بعيدة عن اليهودية والمسيحية بُعْدَها عن الإسلام، ولعل من الممكن القول بأنه كان من أتباع مذهب وحدة الوجود أو ممن يؤمنون بالطبيعة.

في التربة التي أصلحتها حركة التنوير نمت الدراسات المتعلقة بالإسلام والقرآن باللغة الألمانية منذ القرن التاسع عشر، وكان القائمون بتلك الدراسات أساتذة جامعات أو مثقفين أو أمناء مكتبات، ولكنهم لم يكونوا بالطبع مسلمين أو عربًا، كما أن معظمهم لم يكونوا مسيحيين أو يهودًا بالمعنى العَقَدي، وإنما كانوا كذلك بمعنى أن خلفيتهم الثقافية كانت يهودية أو مسيحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت