إن عملية المزج بين أسلوب القدح وأسلوب المدح في مقدمة الترجمة لا تعبر عن منهج جديد يطلع به علينا بيرك، وإنما عرف بذلك في كثير من مراحل حياته العلمية والفكرية، إذ لا يخفى أن بيرك يحسن الظهور بمظهر المستشرق ذي الوجهين (1) ، فهو إن حاضر في البلاد العربية أو أجري معه حوار عربي راح يتشدق بكل أوصاف الانبهار بأسلوب القرآن ومضامينه ومقاصده، والإفصاح عن مدى إعجابه ببذور العقلانية والروحانية السامية التي يتضمنها القرآن الكريم، أما إذا خاطب جمهور الفرنسيين فإنه لا يتوانى في القدح في مضامين القرآن وتأكيد أنه يحتوي على أمور غير معقولة ومتجاوزة …لقد أراد جاك بيرك أن يحافظ على علاقاته الوطيدة مع كثير من مثقفي الدول العربية والإسلامية مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بشخصية المستشرق الملتزم بأفكاره ومبادئه المقتنع بمواقفه تجاه الإسلام والقرآن الكريم على وجه الخصوص.
إذن فالواضح أن فحص ترجمة معاني القرآن الكريم التي قام بها جاك بيرك لا يمكن أن تتم بمعزل عن دراسة عامة للمقدمة التي ألحقها بعمله (2) ، لأنها أولا تعبير جلي عن كثير من معالم تفكير الرجل وموقفه تجاه القرآن الكريم. كما أنها تبرز -من جهة ثانية- للقارئ منهج المترجم في التعامل مع الألفاظ والمصطلحات القرآنية ذات الحمولة الدينية والعقدية المفعمة بالحساسية بالنسبة للمترجم غير المسلم. ما أبرز المحاور الأساسية والنقاط التي تعرض لها جاك بيرك في مقدمته؟
(1) تنظر مقالتي"المستشرق ذو الوجهين"في جريدة العالم الإسلامي التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي العدد 1690.
(2) وضع جاك بيرك مقدمته المطولة في آخر الترجمة وأبقى على تمهيد مقتضب في خمس صفحات في أول الترجمة، تحدّث فيه عن الظروف التي تم فيها إعداد الترجمة، وقد دفعته لباقته المعهودة فيه إلى أن يستهل هذا التمهيد بقوله:"القرآن لا يمهد له".