الصفحة 9 من 66

وإذا كان جاك بيرك قد خالف طريقة كثير من تراجمة القرآن من المستشرقين في وضع مقدمات ضافية ومسهبة تتضمن عرض تاريخ موجز للإسلام وحضارته وسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومراحل جمع القرآن وترتيب سوره وغير ذلك، فإن مترجمنا قد حاول أن يخفي أفكاره وراء مُسوح العبارات اللغوية المعقَّدة والتحذلقات البلاغية الملتوية التي طبعها بكثير من الشاعرية حينا ومن التعقيد أحيانا أخرى، وهي الأفكار التي لا يكاد يفطِن لخطورتها ومدى أثرها السلبي إلا من أحسن قراءة ما بين السطور وتمعن جيدا في ما تحمله عباراته وتعبيراته من إشارات وتلميحات خفية. إن الذي يظهر بوضوح أن بيرك كان لبقًا -إن لم نقل متحايلًا- عندما مزج بين أسلوب الطعن واللمز وأسلوب الإعجاب ببعض القضايا القرآنية، وفي عملية المزج هذه ما لا يخفى من التمويه على القارئ من جهة وإرضاء أصدقائه وقرائه من المسلمين من جهة أخرى.

ولعل ما يؤكد لنا هذا الأمر وقوع كثير من مثقفينا المنبهِرين بترجمة الرجل في هذا الذي نُنَبه عليه، فعلى سبيل المثال سأله مراسل مجلة"القاهرة"عن سر التواضع في اختيار عنوان الترجمة الذي هو"محاولة لترجمة معاني القرآن"فأجاب بيرك بقوله:"هذا التواضع يرجع بالدرجة الأولى إلى صعوبة العمل، فالقرآن الكريم يجمع بين التعقيد الشديد والبساطة المتناهية مما يجعل الترجمة شبه مستحيلة دون إضافة التفسيرات التي توضح بعض المعاني. وهذه التفسيرات قد تؤثر بدورها في القيمة الجمالية للعمل، لذلك لاقيت صعوبة شديدة في محاولة توصيل المعنى دون إضافات قد تؤثر في عظمة وجمال الآيات القرآنية (1) ."

(1) مجلة القاهرة عدد مذكور ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت