أما التوجه الثاني فينطلق في انتقاده لترجمة جاك بيرك من كون صاحبها مستشرقًا متشبعًا بروح الاستشراق المؤسس على فكرة معاداة الإسلام ومواجهته وعدم الإيمان بمبادئه وقيمه ومُثله، وهذا الحكم وإن كان في جانب كبير منه صحيحا إلا أنه فيما يخص ترجمة بيرك لا يبدو موضوعيًا، لأنه لم ينبع من دراسة فاحصة للعمل، وإنما هو حكم سابق ناتج عن نظرة عامة إلى خلفية المستشرق الفرنسي الفكرية المخالِفة والمناوِئة. وبعيدًا عن التوجُّهين والموقفين غير المبنيين على دراسة موضوعية شاملة لترجمة معاني القرآن الكريم التي قام بها جاك بيرك تسعى محاولتنا هذه إلى الحكم على هذا العمل من خلال دراسة متأنية وعميقة وملاحظات دقيقة وهادفة.
إن معالم منهج بيرك في ترجمته لا تتضح فقط من خلال نقله للمعاني القرآنية إلى اللغة الفرنسية، بل هناك أيضًا تلك المقدمة المستفيضة التي ألحقها بالترجمة والتي ضمنها كثيرا من أفكاره وآرائه في القرآن الكريم، وهي أفكار وآراء لا تُعَبِّر بتاتا عن صورة ذلكم المستشرق المعتدل أخي العرب وصديقهم التي حاول بعض المثقفين العرب إبرازها لامعة وحسنة.
إن مقدمة الترجمة التي بقدر ما تعد زائدة ولا علاقة لها بصميم ترجمة معاني القرآن الكريم تعد ذات تأثير خطير في أفكار كل مَنْ أقدم على قراءة الترجمة مصحوبة بهذه المقدمة، وبخاصة بالنسبة للغربيين.