وبعدما قدَّم نماذج على ما يزعمه متناقضًا ومتنافرًا في السور العشرين الأولى من المصحف، لا يجد بيرك ما يختم به -وهو يريد زَرْعَ روح الشك والتشكيك في ذهن القارئ- إلا أن يقول:"إن المؤمن لا يتساءل -بطبيعة الحال- عن هذه التناقضات والتفاوتات الشكلية، لكنه بالمقابل يلاحظ -كما نفعله- بأن كثيرًا من التنزيلات المكية قد تجمعت في آخر المصحف لكي تندغم في لغز …" (1) والغريب في الأمر أن جاك بيرك الذي طالما تشدق بكونه استأنس بمعظم التفاسير القرآنية القديمة والحديثة لم ينتبه لعلم مستقل بذاته يسمى"علم المناسبات"وهو يختص بإبراز وجوه المناسبة بين السور فيما بينها وكذلك بين الآيات في إطار السورة الواحدة، حيث اهتم كثير من العلماء والمفسرين بترابط الآيات وتناسقها وكيف أن الآية القرآنية تأخذ بأعناق الآيات السابقة واللاحقة بصورة تجعلها منسجمة بعضها ببعض ومتلائمة وغير متنافرة أو متناقضة كما يزعم بيرك، وقد أشار الإمام فخر الدين الرازي ( ت 606هـ) في تفسيره -وقد رجع إليه بيرك كثيرا في تعليقاته- إلى كثير من مناسبات السور والآيات حتى عُد من أبرز المفسرين اعتناء واهتمامًا بذكر تلك اللطائف والمناسبات (2) .
(2) من أشهر مَنْ أبرز هذا العلم ( علم المناسبات) بوضوح الإمام برهان الدين البقاعي (ت 885هـ) في كتابه"نظم الدرر في تناسب الآي والسور"طبع في 22 مجلدا، والإمام السيوطي ( ت 911هـ) في كتابه:"تناسق الدرر في تناسب السور"وغيرهما.