إن مثل هذه الشُّبَه التي أوردها بيرك والتي تعد قديمة قدم الاستشراق نفسه (1) تسعى بوضوح إلى تأكيد أن القرآن إنتاج بشري وليس إلهيا، وبالتالي فإن ترتيب سوره وآياته يخضع لاعتبارات تفاعل -واضعه وهو الشخصية المحمدية- مع الأحداث والوقائع التي كانت تتأثر بها تلك الشخصية.
والذي يمكن قوله بهذا الصدد -وباختصار- هو أنه من الصعب جدًا على مستشرق أعجمي أن يستوعب ملامح الإعجاز القرآني في تلك العلاقة الدقيقة للآيات بعضها ببعض، وهذه العلاقة تبرز لنا نظما معجزا لا يتأتى لبشر أن يأتي به، ولعل ما أشار إليه بدر الدين الزركشي ( ت 794هـ) في قوله:"لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تُطلِع على أنه توقيفي صادر عن حكيم، أحدها: بحسب الحروف كما في الحواميم، وثانيها: موافقة أول السورة لآخر ما قبلها كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة.." (2) ويبدو سعي بيرك الحثيث إلى نسج خيوط التشكيك والتشويش على القارئ الغربي بوضوح وجلاء عندما يقول:"إن العرض القرآني للقضايا ينتقل بدون تمهيد من موضوع لآخر ليعود إلى الأول أو إلى قضايا أخرى، وهذا الأمر الذي تُضَخم منه الترجمات الغربية يخلق نوعا من الاختلاف والتنوع يحسبه القارئ الأعجمي من قبيل المتناقض" (3) .
(1) يعد تيودور نولدكه ( ت 1930م) أبرز من تعرض لهذا الأمر في كتابه"Geschichte des Qorans (باللغة الألمانية ) وكذا في رسالة صغيرة سماها"أسلوب القرآن"تقع في 40 صفحة".وقد فصَّل المستشرق الفرنسي رجيس بلاشير R.blachere (ت 1973م) الحديث في هذا الموضوع في كتابه:مدخل إلى القرآن الكريم Introduction au Coran .
(2) الزركشي:البرهان في علوم القرآن تحقيق محمد ابو الفضل، طبعة عيسى البابي 1/260.