والذي يظهر من كلام بيرك تحت عنوان:"تساؤلات استباقية"أنه لم يع جيدًا الفرق بين القراءة والترتيل، فالقراءات القرآنية التي هي علم قائم بذاته يسميه فن القراءات، وعندما يريد أن يبسط القول فيه يستشهد بأحاديث وروايات تتحدث عن ترتيل القرآن وهي الروايات التي يرى أن اختلافها وعدم دقتها تثير نوعًا من التشويش (1) .
وهكذا يتبين أن جاك بيرك قد أساء فهم القراءات وأضل بذلك قراء مقدمته الذين لا يمكن إلا أن يستنتجوا من كلام المترجم أفكارًا مشوشة ومثيرة للبلبلة، وهو ما يبدو أنه كان غرض بيرك.
وعندما انتقل جاك بيرك للحديث عن مدى استيعاب القرآن الكريم للأحكام التشريعية أو ما يسميه القوانين أراد أن يبرز للقارئ كيف أن مجموع الفقه الإسلامي ليس إلا تراكمات قضائية لا صلة لها بالقرآن:"إن أقل ما يمكن أن يقال هو أن القرآن لا يتضمن أية قوانين بالمعنى المفهوم لا في العبارات ولا في روحها … إن القوانين أو الإصلاح القانوني الذي أجراه جوستنيان قد انتقل بفضل التجار المكيين، وإن القانون الروماني كان يدرس في بيروت وأنطاكية وكان معروفا في المنطقة، وإنه من المستبعد أن لا يكون العرب قد تلقوا أصداءه العديدة سواء على مستوى القانون المدني أو تنظيمات الكنيسة الشامية" (2) .
هكذا إذن يحاول بيرك أن يجرد القرآن الكريم من أن يكون مصدرًا للأحكام الشرعية وكأن الفقهاء المسلمين أخذوا قواعد الفقه الإسلامي من القانون الروماني عن طريق المدارس المنتشرة في بيروت وأنطاكية والشام بصفة عامة ثم أضافوا إليه اجتهاداتهم مما عُدَّ تراكمات قانونية لا صلة لها بالقرآن الكريم.