وإذا كان بيرك قد سعى جاهدا إلى إخفاء معنى الأمية من آيتي الأعراف، فإن المثير للغرابة أنه عندما ترجم قوله تعالى: { ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } (البقرة:78) ترجم لفظة"أميون"بـ:incultes (1) التي تعني"غير المثقفين"من لفظة الثقافة Culture ، وهذا المعنى يعد أقرب إلى الجهل بالقراءة والكتابة لكن المترجم الذي استعمل هذا المعنى في سياق الحديث عن اليهود الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني أبى في سياق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمي إلا أن يمعن في الإغراب ويستعمل في الترجمة مرادفا بعيدا كل البعد عن المعنى المراد، وهو يعلم جيدا أن"الأميين"في سورة البقرة هي جمع للأمي في سورة الأعراف. ونود بهذا الصدد الإشادة بعملية التصحيح التي قام بها الشيخ صبحي الصالح -رحمه الله- لترجمة المستشرقة الفرنسية دنيس ماصون للقرآن الكريم (2) حيث يلاحظ المطالع لهذه الترجمة أن لفظة الأمي في آيتي الأعراف قد مُحِيتا وكُتِب محلها بخط مطبعي مغاير Le prophete qui ne sait ni lire ni ecrire (النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب) ،وهي أفضل ترجمة تؤدي المعنى المنشود،وهو ما سوف يتحقق من مختلف الترجمات التي يسعى مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف إلى إنضاجها على أساس نقل"التفسير الميسر"الذي أصدره عام 1419هـ إلى مختلف اللغات العالمية، وهو التفسير الذي جاء فيه عند الآية (157) من الأعراف:"ويتبعون الرسول النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدون صفته وأمره مكتوبين عندهم في التوراة والإنجيل" (3)
(1) وهي اللفظة نفسها التي وظفها في ترجمة قوله تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } (الجمعة:2)
(3) التفسير الميسر ، إعداد لجنة من العلماء ، طبع ونشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة 1419 ص 170.