الصفحة 35 من 66

والقارئ للترجمة مهما كانت ثقافته جيدة فإنه عند اطلاعه على هاتين اللفظتين لا يستطيع بحال تبين معنييهما إلا إذا رجع إلى كتب اللغة والتفسير لكي يكتشف أن من بين الأصول الاشتقاقية للفظة"الرحمن"اسم الرَّحِم ، وهو ما جاء في الحديث القدسي:"قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" (1) . غير أنه إذا كان الحديث يشير إلى الرحم بمعنى القرابة بدليل السياق الأخير (صلة الأرحام) فإنه من غير المعقول أن تترجم لفظة"الأرحام"في الآية الأولى من النساء بما يدل على رحم المرأة، بل ينبغي فهم المعنى ومحاولة تقريبه إلى الآخر في لغته وثقافته، ولا شك أن المترجم كان يعلم جيدا أنه باختياره وترجيحه لهذه الترجمة الفاسدة كان يوغل في نسج الغموض والتشويش على القارئ؛ لأنه كان باستطاعته تقديم اللفظة المناسبة والملائمة، ولا سيما أنه اطلع على ترجمات زملائه السابقين الذين سعى كل منهم إلى محاولة تقريب المراد من اللفظة إلى قراء الفرنسية. (2) وما لنا نذهب بعيدا وهاهو ذا جاك بيرك نفسه يترجم اللفظة نفسها في آية أخرى بما هو أقرب إلى تحقيق المقصود بعيدا عن لفظة"matrice"فقد ترجم

(1) صحيح البخاري، كتاب الأدب برقم 5988، ومسند الإمام أحمد 6/62 (والحديث باللفظ المذكور إنما أخرجه أبو داود برقم 1694، والترمذي برقم 1908، وأما لفظ البخاري فهو"إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته…"ولفظ أحمد نحوه) .

(2) لعل الترجمة الأقرب إلى تحقيق المراد ما وجدناه عند حمزة بوبكر الذي ترجم"الأرحام"في آية النساء بقوله: craignez ( de rompre ) les liens du sang (اتقوا قطع روابط الدم) . وهو فضلا عن إشارته لروابط الدم كأبرز معنى تدل عليه لفظة"الأرحام"وضع بين قوسين كلمة (قطع) وهو ما أشار إليه معظم المفسرين، إذ المراد من الآية: واحذروا أن تقطعوا أرحامكم ( التفسير الميسر ص 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت