الصفحة 48 من 66

وقد تحدث الإمام الخطابي (ت388) في كتابه"إعجاز القرآن"عن الإعجاز القرآني من جهة البلاغة فأكد أن مناط البلاغة في النظم القرآني هو"اللفظ في مكانه إذا أبدل فسد معناه أو ضاع الرونق الذي يكون منه سقوط البلاغة" (1) ولعل أبرز مثال على ذلك ما أقدم عليه المترجم من عكسٍ لنص الآية { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } (الأنعام 151) حيث قدَّم الأولاد على الآباء كما هو في آية (الإسراء) (2) ، والفرق بين ترتيب الضميرين في الآيتين يرجع إلى أن آية الأنعام تنهى عن قتل الأولاد بسبب الفقر الواقع فعلا فاقتضى المقام تذكير الآباء بأن رزقهم ورزق أبنائهم مكفول من الله أما في الإسراء فإن الآية تنهى عن قتل الأولاد خوف الفقر المتوقع لهم في مستقبلهم فاقتضى المقام التذكير بأن رزق الأبناء مكفول كرزق آبائهم، لذلك فإن الحفاظ على ترتيب أجزاء آية الأنعام- في ظل إعجاز نظمها- يبدو ضروريا ولا ينبغي التصرف فيه (3) .

(1) بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في الإعجاز، طبعة دار المعارف بمصر ص 22.

(2) وهو قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم) .

(3) لقد أكد بعض المفسرين الفرق بين آيتي الأنعام والإسراء وسر تقديم الآباء في الأولى وتقديم الأبناء في الثانية (انظر على سبيل المثال:كتاب:نظم الدرر في تناسب الآي والسور للبقاعي، ط1/1973(7/317) وراجع كتاب"أسرار التكرار في القرآن الكريم للكرماني، تحقيق عبد القادر أحمد عطا،طبع دار الاعتصام بالقاهرة 1977 ص 75."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت