بحث
الأستاذ الدكتور/ أحمد يوسف أبو حلبية
أستاذ الحديث الشريف وعلومه وعميد الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بغزة
ورئيس جمعية القدس للبحوث والدراسات الإسلامية
ونائب رئيس رابطة علماء فلسطين بمحافظات غزة
لقد أرسل الله سبحانه وتعالى نبيّه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم بالهدى ودين الحقّ؛ ليظهره على الدين كلّه ولو كره الكافرون، كما بعثه الله تعالى شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعمل جاهدًا على تحقيق الأهداف التي بُعِث من أجلها؛ في الشهادة على الخلق جميعًا أنّ إخوانه الأنبياء والمرسلين قد بلّغوا رسالات السماء، وفي تبشير المؤمنين بالإقامة الدائمة في جنّة عرضها السماوات والأرض ورضوانٍ أكبرَ من الله عزّ وجلّ، وإنذار الكافرين والمنافقين بسخط الله تعالى وبالجحيم ونار السموم، فاجتهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في تبليغ هذه الرسالة وأداء هذه الأمانة على الوجه الأكمل، ودعوة الخلق من الثقلين (الإنس والجنّ) وإنارة الطريق لهم في هذه الحياة الدنيا بإذن الله جلّ وعلا، وكان للرسول صلّى الله عليه وسلّم منهجُه المتميّز في دعوة الخلق لهذا الدين الحنيف، وتعليم المسلمين أمور دينهم، ونشر هذا النور الذي جاء به من عند الله جلّ جلاله؛ وذلك لأنّه الرسول والقدوة والأسوة الطيبة الحسنة والمعلّم والمربّي والداعي إلى الله تعالى بحق وصدق، وقد كان لهذا المنهج ملامح وسمات عِدّة تمثّلت في الأمور التالية:
أولًا: اتباع أسلوب التدرج في التعليم وتبليغ دعوة الله تعالى: كانت المهام الرئيسة التي كُلِّف بها النبي صلّى الله عليه وسلّم من الله عزّ وجلّ هي بيان القرآن وشرح معانيه وتحديد أهدافه، وإفتاء الناس وتوضيح الحلال والحرام لهم، والفصل في الخصومات بينهم، وإقامة الحدود على العصاة منهم، ومحاربة الكفر والكافرين وأعداء الإسلام، وسياسة أمور الدولة الإسلامية التي أنشأها في المدينة المنورة وأخذت رايتها تنتشر خارج حدودها.
وهذه المهام لا يمكن تحقيقها فجأة جملة واحدة ومن ثَمّ تغيير حياة الناس من جاهلية وكفر إلى معرفة وإيمان، بل كان لا بد من اتباع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أسلوب القرآن الكريم في التدرج في التشريع وبيان الأحكام لانتزاع العقائد الباطلة والعادات السيئة الضارة ومحاربة المنكرات والرذائل التي كانت منتشرة في الجاهلية، ومن ثمّ الاستعاضة عن ذلك بالعقائد السليمة والعادات المفيدة والعبادات الصحيحة والأحكام والمعاملات السويّة، والدعوة إلى القيم السامية والأخلاق الحسنة الحميدة والآداب الرفيعة.
وقد وجّه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه إلى اتباع هذا المنهج في التدرج في الدعوة إلى الله جلّ وعلا، وفي تبليغ تعاليم هذا الإسلام العظيم؛ كما في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث معاذ بن جبل أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثه إلى اليمن فقال له:"إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعو لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإنْ هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم"